بالإيمان ثم توسلوا إليها بالتوبة . وأيضا التبرىء من الغير إنما يكون بعد الإيمان باللّه والرغبة فيما عنده .
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
كثير الدر
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ
ويضاعف قوتكم . وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات . وقيل : حبس اللّه عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود عليه السّلام على الإيمان والتوبة بكثرة الأمطار وتضاعف القوّة بالتناسل .
وَلا تَتَوَلَّوْا
ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه
مُجْرِمِينَ
( 52 ) مصرين على إجرامكم
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ
بحجة تدل على صحة دعواك وهو لفرط عنادهم
شرح
صالحا كان واحدا من قبيلة ثمود . قوله : ( ثم توسلوا إليها بالتوبة ) لما كانت المغفرة منوطة بالتوبة وكانت التوبة وسيلة إليها فسر المصنف قوله تعالى :ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِبقوله : « ثم توسلوا إليها بالتوبة » ولزم منه أن تكون كلمة « ثم » للتراخي في الإخبار . فإن هودا عليه الصلاة والسّلام دعا قومه إلى التوحيد ، ثم كلفهم أن يطلبوا من ربهم أن يغفر لهم ذنوبهم ، ثم بيّن الشيء الذي يتوسل به إلى المغفرة وهو التوبة فقال :ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِفإنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من اللّه تعالى إلا بإظهار التوبة لأن المذنب معرض عن طريق الحق والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المطلوب ، فالمطلوب بالذات هو العفو والغفران والصفح والرضوان إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالرجوع عن المخالفة والعدوان . فثبت أن المغفرة مطلوبة بالذات وأن التوبة مطلوبة لكونها من مبادئ المغفرة وما كان آخرا في الحصول كان مقدما في الطلب فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة ، ثم بيّن ما يتوقف عليه المطلوب . ثم أشار المصنف إلى أن كلمة « ثم » للإشارة إلى أن التوبة والتبرىء من عبادة غير اللّه تعالى متأخر بالذات والرتبة عن الإيمان باللّه والرغبة فيما عنده . وقد أشار المصنف في أول السورة إلى وجه آخر وهو أن تكون « ثم » على أصل معناها بأن تكون التوبة التي هي الرجوع عن الضلال مجازا عن التوصل إلى المطلوب بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب ، والوصول إلى ما عند اللّه تعالى من الكرامة إنما يكون بالاستغفار وقوله تعالى :يُرْسِلِ السَّماءَمجزوم على أنه جواب الأمر والمعنى : أنكم متى فعلتم ذلك فاللّه تعالى يكثر النعم عليكم وعندكم ويقويكم على الانتفاع بها . فإن انتظام حال الإنسان في معاشه كما يتوقف على وصول نفس النعم والأرزاق إليه يتوقف أيضا على اقتداره على الانتفاع بها فمتى اجتمع الأمران فقد بلغ في سعادته العاجلة إلى الكمال ومتى فقد أي واحد منهما أو كلاهما فقد اختلف أمر معاشه . قوله : ( كثير الدر ) مبني على أن المدرار من أبنية المبالغة وهو حال من السماء ولم يؤنث لأن مفعالا للمبالغة يستوي فيه المؤنث والمذكر كصبور . أو لأن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر حملا