تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 652

مساهمون:

ص٦٥٢
شرح
غرق ابنه طلبا للحكمة في عدم نجاته مع أنه تعالى قد وعده بأن ينجي أهله . ويجوز أن يكون هذا قبل غرقه والمقصود من النداء طلب نجاته . واختار المصنف أن يكون هذا النداء بعد الغرق لما سبق من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نادى ابنه قائلايا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَناوأنه امتنع من الركوب معهم فحال بينهما الموج فكان من المغرقين ، ثم ذكر بعده نجاة المؤمنين باستواء السفينة ، ثم ذكر بعده هذه الآية . فهذا الترتيب يدل على أن نداء ربه في حق ابنه وقع بعد غرق الابن ولأنه قد مرّ أنه تعالى قد نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا ، وهو يستلزم أن يكون هذا النداء بعد غرق الابن لأن كونه قبل الغرق يتضمن سؤال النجاة لابنه مع أنه قد نهى عنه وارتكاب المنهي عنه معصية فلا يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام . فإن قيل : فكيف يجوّز المصنف نداء الرب قبل غرق الابن وقبل أن يطلب منه أن يركب مع المؤمنين ، مع أنه يتضمن استدفاع العذاب عن ابنه الظالم ؟ فالجواب أن المنهي عنه هو المخاطبة باستدفاع العذاب عمن علم أنه من الظالمين ، وهو عليه الصلاة والسّلام سأل النجاة في حق ابنه وهو غير عالم بكفره فإن استثناء من سبق عليه القول إنما يدل على أن في أهله من هو غير ناج ولا يدل على أنه ابنه . فإن قيل : هب إنه لا يعلم كفره حال نداء ربه فقد علم به بعد ذلك بقوله تعالى :إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَالآية فكيف جاز له أن ينادي ابنه بعد ذلك قائلا له :يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَناطلبا لنجاته مع علمه بحاله ؟ فالجواب أنه عليه الصلاة والسّلام أمره بالركوب بناء على ظن أن الابن لما شاهد سبب الغرق والأهوال العظيمة جاز له أن يعرض عن الكفر ويقبل الإيمان ، فصار أمره بالركوب في الحقيقة أمرا له بالإيمان ومجانبة الكفار والاشتراك معهم في الكفر والضلال والنجاة مع المؤمنين بدخوله محل النجاة ، مع أن هذا السؤال يرد عليه على تقدير أن يكون نداء الابن مقدما على نداء الرب بعد الغرق بأن يقال : كيف طلب بالنداء ابنه الكافر أن يركب مع المؤمنين وينجو من عذاب الكافرين ؟ والحاصل أن أمة نوح عليه الصلاة والسّلام كانوا ثلاثة أقسام : كافر يظهر كفره ومؤمن يعلم إيمانه ومنافق مستور حاله ، وقد كان حكم المؤمنين النجاة وحكم الكافرين هو الغرق وكان ذلك معلوما . وأما أهل النفاق فبقي ظلمه مخفيّا وكان ابن نوح منهم وكان يجوز فيه كونه مؤمنا ، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون للأب في حق الابن تحمله على جمال ابنه وأفعاله لا على كونه كافرا بل على الوجوه الصحيحة . فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه ركوب السفينة فقال :سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِوذلك لا يدل على كفره لجواز أن يكون امتناعه من الدخول لكراهته الاحتباس في السفينة وظنه أن الصعود على الجبال يجري مجرى الركوب في السفينة ، وأنه يصون من الغرق أيضا . وقول نوح عليه الصلاة