عليها . ولذلك أمر الرسول عليه الصلاة والسّلام أن ينوب عنهم في الجواب فقال :
قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
( 34 ) تصرفون عن قصد السبيل
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
بنصب الحجج وإرسال الرسل والتوفيق للنظر والتدبر وهدى كما يعدى ب « إلى » لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية ، وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدى بها ما أسنده إلى اللّه .
قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدي من قولهم : هدى بنفسه إذا اهتدى أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه اللّه
شرح
الجواب أن إلزام الخصم كما يصح بما يساعده ويعترف به يصح أيضا بما يعين حقيقته لقوة برهانه وأمر الحشر والنشر من هذا القبيل . فإن وجوب التمييز بين المحسن والمسئ برهان دال على تحقق وقوعه دلالة قاطعة لا يمكن العاقل دفعه فصح الإلزام به وإن لم يساعده الخصم عليه . قوله : ( ولذلك الخ ) جواب عما يقال : لم أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينوب عنهم في الجواب والإلزام إنما يصح أن لو اعترفوا به أنفسهم ؟ وتقريره كون الأمر ظاهرا جليا مؤيدا بالبراهين أغنى عن الاعتراف به وأنيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الجواب . قوله : ( والتوفيق للنظر والتدبر ) أي للنظر الصحيح والتدبر الصائب فإن القول مضطرب والافتكار مختلط وتعيّن الحق صعب ولا يسلم من الغلط إلا الأقل من القليل فاهتداء إدراك الحقائق لا يكون إلا بإعانة اللّه تعالى وهدايته وإرشاده . وهذا احتجاج آخر على فساد مذهب المشركين والاستدلال على وجود الصانع أولا بالخلق وثانيا بالهداية عادة مطردة في القرآن قال تعالى حكاية عن الخليل عليه الصلاة والسّلام :الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ[ الشعراء : 78 ] وحكي عن موسى عليه الصلاة والسّلام قوله تعالى :رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[ طه : 50 ] اعلم أن هدى يتعدى إلى اثنين : أولهما بنفسه وثانيهما إما باللام وإما ب « إلى » وقد يحذف حرف الجر تخفيفا وقد جمع بين التعديتين بحرف الجر هنا فعدى الأول والثالث ب « إلى » والثاني باللام وحذف المفعول الأول من الأفعال الثلاثة . والتقدير : هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق ؟ والمصنف بيّن سر كل واحدة من التعديتين فقال : « يعدى بإلى ليدل على أن انتهاء الهداية مدخولها ويعدى باللام ليدل على أن الهداية لا تتوجه نحو ما دخلت عليه إلا لأجل أن تؤدي إليه ويترتب عليها كما هو شأن العلة والمعلل بها » . قوله : ( أم الذي لا يهتدي الخ ) اختار في قوله : أم منلا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدىقراءة حمزة والكسائي وهو أن يقرأ قوله :إِلَّا أَنْ يُهْدىبسكون الهاء وتخفيف الدال على معنى يهتدي فإن العرب تستعمل يهدي بمعنى يهتدي فتقول : هديته فهدى أي فاهتدى . قوله : ( أو لا يهدي غيره ) عطف على قوله :