تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
هُنالِكَ
في ذلك المقام
تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ
تختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضرّه . وقرأ حمزة والكسائي « تتلو » من التلاوة أي تقرأ ذكر ما قدمت ، أو من التلو أي تتبع عمله فيقودها إلى الجنة أو إلى النار . وقرىء « نبلو » بالنون ونصب « كل » وإبدال « ما » منه والمعنى : نختبرها أي نفعل بها فعل المختبر لحالها المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها . ويجوز أن يراد به نصيب بالبلاء أي بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون « ما » منصوبة بنزع الخافض .
وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ
إلى جزائه إياهم بما أسلفوا .
مَوْلاهُمُ الْحَقِّ
ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة لا ما اتخذوه مولى . وقرىء « الحق » بالنصب على المدح أو المصدر المؤكد
شرح
كانوا في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ، ولما كانت ذوات الشركاء خالية عن تلك الصفات صدق أن يقال : إن المشركين ما عبدوا الشركاء وإنما عبدوا أمورا تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان . قوله : ( في ذلك المقام ) يعني أن هناك باق على أصله الذي هو كونه ظرف مكان لأن في ذلك الموقف الدهش . وقيل : هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة كما في قوله تعالى :هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ[ الأحزاب : 11 ] أي في ذلك الوقت . قوله : ( فتعاين نفعه وضرّه ) إشارة إلى أن المراد باختبار النفس ما قدمت من خير أو شر حدوث العلم لها بكون ما قدمته من الأعمال خيرا أو شرا بمعاينة نتائجها وآثارها . فإن الاختبار سبب لحدوث العلم فأطلق اسم السبب على المسبب مجازا . ومن قرأ « تتلو » بتائين منقوطتين من فوق جعله من التلاوة أو من التلو ، والمعنى على الأول أن كل نفس تقرأ ذكر ما عملته مسطورا في صحف الحفظة ، وعلى الثاني تتبع كل نفس ما أسلفت لأن ما عملته هو الذي يهديها إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار . وقرأ عاصم « نبلو كل » بنون عظمة المتكلم المعظم نفسه ونصب « كل » على أنه مفعول به وقوله :ما أَسْلَفَتْعلى هذه القراءة يحتمل أن يكون في محل النصب على إسقاط الخافض فيكون « نبلو » من البلاء أي العذاب بمعنى نعذبها بسبب ما أسلفت . ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه بدل اشتمال من كل نفس لأن تعرف حال عملها من كونه حسنا أو قبيحا سبب لتعرف أنها سعيدة أو شقية ، فكان بينهما ملابسة السببية . فالمعنى أن اللّه تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفته من العمل على معنى أنّا نعرف حالها بمعرفة حال عملها إن كان حسنا فهي سعيدة وإن كان قبيحا فهي شقية . وحقيقة الاختبار لا تتصور منه تعالى فالكلام من قبيل الاستعارة كما أشار إليه بقوله : « نفعل بها فعل المختبر لحالها » الخ . قوله : ( إلى أجزائه ) أو إلى موقف جزائه . لا بد هنا من تقدم المضاف لأن الرجوع إلى ذاته تعالى مما لا يتصور أي ورد العابدون والمعبودون إلى جزاء اللّه تعالى وحكمه الذي هو مولاهم في الحقيقة لا مولى