لما يفعل اللّه بكم بجحودكم ما نزل عليه من الآيات العظام واجتراحكم غيره .
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً
صحة وسعة
مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ
كقحط ومرض
إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا
بالطعن فيها والاحتيال في دفعها . قيل : قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم اللّه بالحيا فطفقوا يقدحون في آيات اللّه ويكيدون
شرح
شيئا سوى القرآن ليكون معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم مثل اليد والعصا وقولهم :لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً[ الإسراء : 90 ] الآيات بناء على ما يزعمه بعضهم من أن القرآن يمكن معارضته كما أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا :لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا[ الأنفال : 31 ] .
قوله : ( بجحودكم ما نزل عليه من الآيات العظام ) التي أعظمها وأجلها القرآن العظيم وأن ظهور مثل هذا الكتاب الشريف من مثل ذلك البشر الذي نشأ فيما بينهم ولبث فيهم أربعين سنة لم يطالع كتابا ولم يتلمذ إلى أستاذ ولم يتعلم حرفا ولم يصاحب عالما لا يكون إلا بالوحي .
قوله تعالى : ( وإذا أذقنا الناس رحمة ) الآية جواب ثان عن قول أهل مكةلَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِوتقريره أن مشركي مكة عادتهم المكر واللجاج والفساد وعدم الإنصاف لأنه تعالى سلط عليهم القحط سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار على أراضيهم . ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام وإذا كان كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوا من إنزال معجزات أخرى فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم .
وإنما ينفع إنزال الآيات عليهم أن لو كان غرضهم من اقتراحها تحقيق الحق وطلب اليقين وليس كذلك ، وليس غرضهم إلا التعنت واللجاج فلو ظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات القاهرة فإنهم لا يقبلونها . والحيا المطر العام ويكنى به عن الخصب ، والأنواء جمع نوء وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة في منزل منها ويسقط في المغرب نجم واحد ويطلع رقيبه في ساعة من المشرق في مقابلة ذلك الساقط . وهذا في غير الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما فينقضي الجميع مع انقضاء السنة أي مع انقضاء ثلاثمائة وخمسة وستين يوما . يقال : ناء ينوء نوأ أي نهض بجهد ومشقة وناء أي سقط وهو من الأضداد ، يقال : ناء الجمل بالحمل إذا نهض به مستثقلا . وإنما سمي النجم نوأ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء أي ينهض ويطلع . وقيل : إنما سمي نوأ لسقوطه وغروبه . قال أبو عبيد : ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والبرد إلى الساقط منها . وقال الأصمعي : إلى الطالع فيقول في سلطانه مطرنا بنوء كذا . فلما أنجاهم اللّه تعالى من القحط وأمطرهم نسبوا الأمر وأضافوا ذلك إلى الأنواء لا إلى اللّه لئلا يشكروا اللّه ولا يؤمنوا بآياته . فقيل : هذا هو المراد بمكرهم