إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علما ولم يشاهد عالما ولم ينشئ قريضا ولا خطبة . ثم قرأ عليهم كتابا بذت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلا عن كل منثور ومنظوم واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع ، وأعرب عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه علم أنه معلم به من اللّه تعالى
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 16 ) أي أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا أنه ليس إلا من اللّه .
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
تفاد مما أضافوه إليه كناية أو تظليم للمشركين بافترائهم على اللّه تعالى في قولهم : إنه لذو شريك وذو ولد
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
فكفر بها
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
( 17 )
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
لأنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر ، والمعبود ينبغي أن
شرح
سنة . ثم أوحي إليه فأقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير هذه الآية : أقمت أنا فيكم أربعين سنة لا أحدثكم بشيء من القرآن ولا آتيكم به أفلا تعقلون أنه ليس من قبلي . قال الإمام : إنما اقترحوا عليه صلّى اللّه عليه وسلّم أحد الأمرين لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه لا من جهة الوحي ، فدفع هذا الأمر بأنهم شاهدوه من أول عمره إلى ذلك الوقت وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتابا ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاء بهذا الكتاب العظيم الذي عجز عن معارضته العلماء والفصحاء وكل من كان له عقل سليم فإنه يعترف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من اللّه تعالى . وهذا خلاصة ما ذكره المصنف . قوله : ( مما أضافوه إليه كناية ) أي احترازا مما أضافوه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقولهم :ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذامن أنه صلّى اللّه عليه وسلّم افترى على اللّه تعالى كذبا بنسبة القرآن العظيم إليه تعالى وزعموا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما يأتي بهذا القرآن من عند نفسه . فإنهم لما نسبوا هذا القرآن إليه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو من عند اللّه افتراء على اللّه تعالى قال :فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباًالآية . فالمقصود من قوله :فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباًنفى الكذب عن نفسه وكأنه قيل : لو لم يكن هذا القرآن من عند اللّه تعالى لما كان أحد في الدنيا أظلم على نفسه مني حيث افتريته على اللّه تعالى لكن الأمر ليس كذلك لما مر من الدليل الباهر الدال على أنه ليس إلا وحي إلهي لا من كلام من لبث فيكم أربعين سنة لم يمارس فيها علما ولم يشاهد علماء ولم ينشئ قريضا ولا خطبة . قوله : ( أو تظليم ) عطف على قوله : « تفاد » . ويجوز أن لا يكون المقصود منه التبري كما أضافوه إليه صلّى اللّه عليه وسلّم بل المقصود تظليمهم بنسبة الافتراء والكذب إليهم ، فكأنه قيل : إني لا أفتري على