بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الاتيان بقرآن آخر .
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
تعليل لما يكون ، فإن المتبع لغيره في أمر لم يستبد بالتصرف فيه بوجه ، وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض . ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصيانا فقال :
إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي
أي بالتبديل
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
( 15 ) وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ
غير ذلك
ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ
ولا أعلمكم به على لساني . وعن ابن كثير : « ولا درأكم » بلام التأكيد أي لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا علمكم به على لسان غيري . والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري . وقرىء « ولا أدرأكم » و « لا أدرأتكم » بالهمز فيهما على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال . والمعنى أن الأمر بمشيئة اللّه تعالى لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه . ثم قرر ذلك بقوله :
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً
مقدار عمر أربعين سنة
مِنْ قَبْلِهِ
من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه ، فإنه
شرح
جاء على وزن تفعال ولم يجئ مصدر بكسر التاء إلا التبيان . وقرىء شاذا بفتح التاء وهو قياس المصادر الدالة على التكرار كالتطواف والتجوال ويستعمل ظرف مكان بمعنى القبالة والتجاه . قوله : ( لو شاء اللّه غير ذلك ) أي لو شاء اللّه أن لا ينزل القرآن على هذا النظم المتلو ما قرأته عليكم ولا أنه أعلمكم اللّه به على هذا الوجه المعهود . يقال : دريت الشيء أي علمته وأدريته غيري أي أعلمته من الدراية بمعنى العلم . روي عن سيبويه أنه قال : يقال :
دريته ودريت به ، ثم قال : والأكثر هو الاستعمال بالباء والدليل عليه قوله تعالى :وَلا أَدْراكُمْ بِهِولو كان على اللغة الأخرى ولا أدراكموه . قوله : ( وقرىء ولا أدرأكم ) بهمزة مفتوحة وإسناد الفعل إلى ضمير الغائب وهمزته إما مقلوبة من الألف والياء إن كان أفعل من الدراية ، وإما أصلية إن كان أفعل من الدرء يقال : درأته إذا دفعته وأدرأته إذا جعلته دارئا أي دافعا . وقرىء أيضا « ولا أدرأتكم به » بهمزة ساكنة وإسناد الفعل إلى المتكلم وفيه وجهان أيضا : أحدهما أن يكون من الدراية ويكون أصله « ولا أدريتكم » قلبت الياء ألفا على لغة من يقلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها ألفا ، فإن أهل تلك اللغة تقلب ياء التثنية ألفا وتجعلها في جميع الأحوال على لفظ واحد . وتقول : جاءني الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان ، وتقول في أعطيته وأرضيته : اعطاته وأرضاته فصار « ولا أدرأتكم به » وبه قرأ الحسن . ومن قلب الألف المبدلة من الياء همزة قرأ « ولا أدرأتكم به » . قوله تعالى :( عُمُراً )مشبه بظرف الزمان فانتصب انتصابه أي مدة متداولة وهي أربعون سنة فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لبث قبل الوحي أربعين