قالوا : محمد أذن سامعة نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدّقنا بما نقول .
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
تصديق لهم بأنه أذن ولكن لا على الوجه الذي ذمّوا بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله . ثم فسر ذلك بقوله :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
يصدق به لما قام عنده من الأدلة .
وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
ويصدقهم لما علم من خلوصهم . واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم وإيمان الأمان .
وَرَحْمَةٌ
أي وهو رحمة .
لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
لمن أظهر الإيمان حيث يقبله ولا يكشف سرّه . وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم بل رفقا بكم وترحّما عليكم . وقرأ حمزة « ورحمة » بالجر عطفا على خير . وقرئت بالنصب على أنها علّة فعل دل عليه « أذن خير » أي يأذن لكم رحمة . وقرأ
شرح
سليم القلب سريع الأعذار بكل ما يسمع فيقبل كل عذر صدقا كان أو كذبا . وكان عليه الصلاة والسّلام كذلك لكرمه وحسن خلقه فظن أولئك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما يقبل ويعاملهم به لسلامة قلبه وقلة رأيه وقصور عقله . قوله : ( تصديق لهم بأنه أذن ) يعني أن الإضافة فيه للتخصيص والتقييد . والمعنى هب أنه أذن يسمع ما يقال له ويقبله لكن مستمع خير وصلاح دون مستمع شر وفساد ، فيكون الخير مسموعا لا صفة للأذن لأنه يستلزم كون الرحمة أيضا صفة له ولا يوصف الأذن بالرحمة . وذكر جار اللّه وجها آخر وقدمه على هذا الوجه : وهو أن تكون الإضافة في أذن خير من باب إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاتصاف كما في قولهم : رجل صدق وشاهد عدل كأنه قيل : نعم هو أذن لكن نعم الأذن فأذن من يسمع العذر ويقبله خير ممن لا يقبله إذا كان ناشئا من الكرم وحسن الخلق . وعلى الوجهين قوله تعالى :أُذُنُ خَيْرٍخبر لمبتدأ محذوف أي قل هو أذن خير لكم . قوله : ( ثم فسر ذلك ) أي بين كونه أذن خير بأنه تعالى سلم في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أذن إلا أنه فسر ذلك القول بما هو مدح له صلّى اللّه عليه وسلّم وثناء عليه ، وإن كانوا قصدوا به المذمة . ثم فسر كونه أذن خير بأن وصفه بثلاثة أوصاف : الأول أنه يؤمن باللّه فيسمع جميع ما جاء منه ويقبله . والثاني أنه يؤمن للمؤمنين أي يقبل قولهم ويصدقهم فيما أخبروا به عنده ولا يصدق المنافقين ، ولا شك أن ما أخبر به المؤمنون الخلص فهو خير وصدق فمن استمعه وقبله يكون أذن خير . والثالث كونه رحمة لمن أظهر الإيمان منهم من حيث إنه يجري أمرهم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنهم ولا يسعى في هتك أستارهم فمن آمن باللّه وصدق المؤمنين الخلص وكان رحمة لمن أظهر الإيمان يكون أذن خير لهم . قوله : ( واللام مزيدة للتفرقة ) جواب عما يقال : لم عدى فعل الإيمان إلى اللّه بالباء وإلى المؤمنين باللام ؟ وتقريره أن الإيمان بمعنى الأمان من الخلد في النيران وهو الإيمان المقابل للكفر حقه أن يعدى بالباء . وأما الإيمان بمعنى التصديق والتسليم فإنه يعدى باللام للتفرقة بينهما وإن كان حقه أن يعدى بنفسه كالتصديق حيث يقال :