تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 39 ) فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد كما قال تعالى :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
أي أن لم تنصروه فينصره اللّه كما نصره
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ
ولم يكن معه إلا رجل واحد فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل عليه مقامه ، أو إن لم تنصروه فقد أوجب اللّه له النصرة حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلم يخذله في غيره . وإسناد الإخراج إلى الكفرة لأن همّهم بإخراجه أو قتله تسبّب لأذن اللّه له بالخروج . وقرئ « ثاني اثنين » بالسكون على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب ونصبه على الحال .
إِذْ هُما فِي الْغارِ
شرح
ولا يخفى أنه على الأول كان للّه تعالى . قوله : ( فحذف الجزاء ) لأن قوله : « فقد نصره اللّه » لوقوع مضمونه قبل وقوع مضمون الشرط لا يصلح جزاء مترتبا على وقوع الشرط في المستقبل وكونه كالدليل على ما هو الجزاء حقيقة من حيث إنه تعالى لما نصره وقواه حال كونه لم يكن معه إلا رجل واحد ظهر أنه سينصره ويظهر دينه اليوم ، وإن تثاقل من استنفره من الموصوفين لاتضاح أمر نبوته وحقية دينه وكثرة اتباعه عدد أو عددا ، فالمذكور بمنزلة القياس الجلي . كأنه قيل : إن لا تنصروه فقد نصره اللّه فيما مضى وهو أضعف حالا وأقل رجالا فكذا ينصره في المستقبل ، فإن النصرة الماضية بمنزلة الدليل لنصرته الآتية . والوجه الثاني قريب من الأول لاشتراكهما في حمل الكلام على حذف الجواب وكون المذكور بمنزلة القياس الجلي فكأنه استدل على النصرة الموعودة الواقعة في زمان القوة والكثرة بالنصرة الماضية الواقعة في زمان الضعف والقلة ، ولا شك أن الموعودة أولى من السابقة . وعلى الثاني بمنزلة الاستصحاب المعلوم للمخاطبين فكأنه استدل على النصرة الموعودة بعلم المخاطبين بأنه من المنصورين وقد لتحقيق علمهم وذكر الزمان لتذكيرهم نصره إياه كأنهم يشاهدونه فالمعنى أن لا تنصروه فقد عرفتم أنه من المنصورين لا من المخذولين فاللّه تعالى ينصره في المستقبل بناء على ما كان . قوله : ( وإسناد الإخراج إلى الكفرة ) مع أن المسند إليهم ليس إلا الهم بإخراجه أو قتله وهو عليه الصلاة والسّلام إنما خرج بإذن اللّه تعالى لا بإخراج الكفر إياه . قوله : ( ونصبه على الحال ) فإنه في موضع النصب « سواء » قرئ بفتح الياء على اللغة المشهورة أو بإسكانها على لغة من يقول : رأيت رامي القوم بحذف حركة الياء تشبيها لها بالألف في نحو : رأيت عصا القوم . ومعنى ثاني اثنين أحد اثنين فإنه إذا حضر اثنان في موضع يكون كل واحد منهما ثانيا للآخر فيقال : فلان ثاني اثنين ويراد أنه أحدهما ليس معهما ثالث . فمعنى الآية فقد نصره اللّه أحد اثنين أي نصره منفردا إلا عن أبي بكر رضي اللّه عنه وكفى بهذا دليلا على فضل أبي بكر رضي اللّه عنه على سائر الصحابة