وأراد نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه .
وَلَمْ يَتَّخِذُوا
عطف على
« جاهَدُوا »
داخل في الصلة .
مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً
بطانة يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم وما في لمّا من معنى التوقع منبّه على أن تبيّن ذلك متوقّع
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
( 16 ) يعلم غرضكم منه .
وهو كالمزيج لما يتوهم من ظاهر قوله :
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ .
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ
ما صح لهم
أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
شيئا من المساجد فضلا عن المسجد الحرام . وقيل : هو المراد وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع . ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بالتوحيد .
شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
بإظهار الشرك وتكذيب الرسول . وهو حال من الواو
شرح
بالبرهان . قوله : ( عطف على جاهدوا داخل في الصلة ) أي الذين جاهدوا ولم يتخذوا فإن شعائر المؤمن المخلص في إيمانه أن يجاهد أعداء دين اللّه بنفسه وماله ، وأن يوالي اللّه ورسوله والمؤمنين ولا يوالي غير الرسول والمؤمنين ، ولا يتخذ غير أولياء اللّه من الكفار والمنافقين وليجة وخواص . ويحتمل أن يكون قوله :وَلَمْ يَتَّخِذُوافي محل النصب على أنه حال من فاعل« جاهَدُوا »أي جاهدوا حال كونهم غير متخذين وليجة . فإن المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصا بل يكون منافقا باطنه يخالف ظاهره ، فبيّن اللّه تعالى أنه لا بد وأن يأتوا بالجهاد مع الإخلاص خاليا عن الرياء والنفاق وموالاة الكفرة فإن الجهاد إنما يكون عبادة إن أتى به انقيادا لأمر اللّه تعالى وبذلا للنفس والمال طلبا لمرضاة اللّه . والوليجة فعيلة من الولوج وهو الدخول . ووليجة الرجل من بداخله في باطن أموره . وخدينه الذي يطلعه على ما في داخل قلبه . وقيل : الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه وليس من أهله من قولهم : فلان وليجة في القوم إذا دخل فيهم وليس منهم . قوله : ( وما في لمّا من معنى التوقع ) فإن « لما » يستعمل في الأغلب في نفي الأمر المتوقع كما يخبر « بقد » في الأغلب عن حصول الأمر المتوقع . تقول لمن يتوقع ركوب الأمير : قد ركب ولا يركب إن كان قد يستعمل في غير المتوقع نحو : قد ندم ولا ينفعه الندم . ولما كان الغالب في « لما » كونها لنفي الأمر المتوقع دلت الآية على أن تبيين المخلصين وتمييزهم من الذين لم يخلصوا دينهم أمر متوقع وأنه تعالى يميز بينهم فإنه تعالى لما فرض القتال تميز المنافق من غيره وتميز من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم . قوله : ( يعلم غرضكم منه ) أي من الجهاد ويعلم من يجاهد رياء وسمعة ممن يجاهد لإعزار دين اللّه وقهر أعدائه . فإن المقصود من إيجاب القتال ليس نفس القتال بل وابتلاء إلهي يتميز به من آمن بلسانه ممن آمن بقلبه . فالمخلص يجاهد واثقا