الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ
لما أوجب على الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم وثقل ذلك عليهم خفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين .
وقيل : كان فيهم قلة فأمروا بذلك ثم لما كثروا خفف عنهم . وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد والضعف ضعف البدن .
وقيل : ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين فيها . وفيه لغتان الفتح وهو قراءة عاصم وحمزة والضم وهو قراءة الباقين .
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 66 ) بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون .
شرح
الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة العاجلة ويصرفها إلى ما يؤدي إلى سعادة الآخرة فيقدم على الجهاد بقلب قوي وهمة صادقة بتأييد اللّه تعالى إياه وتقوية قلبه على الصبر والثبات فيقاوم الواحد من مثله العدد الكثير ممن لا يعتقد بالمعاد وحياة الآخرة . وأيضا الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم والمؤمنون يستعينون بهم بالدعاء والتضرع ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى . فإن قيل : محصول الآية وجوب ثبات الواحد للعشرة فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة ؟ أجيب عنه بأن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة لأنه عليه الصلاة والسّلام كان يبعث السرايا والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين وما كان يزيد على المائة فلهذا ذكر اللّه تعالى هذين العددين ووجوب ثبات الواحد للعشرة كان في الابتداء . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : كتب عليهم أن لا يفر الواحد من العشرة ثم خفف عنهم وأمروا بأن لا يفر الواحد من الاثنين . قال الإمام محيي السنة : كان هذا يوم بدر فرض اللّه تعالى على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين فخفف اللّه تعالى عنهم .
وروى عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهم : أنه لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا : يا ربنا نحن جياع وعدونا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وعدونا ليسوا كذلك . وقال الأنصار : شغلنا بعدونا وأنسينا إخواننا . فنزل التخفيف .
قوله : ( وتكرير المعنى الواحد الخ ) جواب عما يقال : لم كرر معنى ثبات الواحد للعشرة في التكليف الأول بذكر عددين متناسبين في إفادة ذلك المعنى وهما ثبات العشرين للمائتين وثبات الألف للألفين ، فالذي استقر عليه حكم التكليف بهذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين عبدا كان المسلم أو حرا فالهزيمة محرمة عليه ما دام معه سلاح يقاتل به ، فإن لم يبق معه سلاح فله أن ينهزم وإن قاتله ثلاثة حلت الهزيمة والصبر أحسن .