إِنَّهُ عَزِيزٌ
تامّ القدرة والغلبة لا يعصى عليه ما يريده
حَكِيمٌ
( 63 ) يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده . وقيل : الآية في الأوس والخزرج كأن بينهم أجن لا أمد لها ووقائع هلكت فيها ساداتهم فأنساهم اللّه ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافوا وصاروا أنصارا .
شرح
تسعة وثلاثون رجلا وامرأة ، ثم أسلم عمر رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين فصاروا أربعين .
فنزل جبريل عليه السّلام بقوله :يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ[ الأنفال : 64 ] أي يتولى اللّه تعالى كفايتك في جميع ما تحتاج إليه هو الذي أيدك وقواك وأعانك بنصره وبمن اتبعك من المؤمنين . فإن قيل : حيث قال :هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِفأي حاجة مع نصرة اللّه تعالى إلى المؤمنين حتى قال :وَبِالْمُؤْمِنِينَ ؟أجيب بأن التأييد ليس إلا من اللّه تعالى ولكنه على قسمين : أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة ، والثاني ما يحصل بسبب واسطة الأسباب المعتادة فأشار إلى الأول بقوله :أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِوإلى الثاني بقوله :وَبِالْمُؤْمِنِينَثم إنه تعالى بيّن كيف أيده بالمؤمنين فقال :وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْالآية فإنه عليه الصلاة والسّلام بعث إلى قوم شديدي الأنفة عظيمي الحمية حتى لو لطم رجل من قبيلة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره ، فكان دأبهم الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض . فلما آمنوا باللّه ورسوله واليوم الآخر انتقلوا عن تلك الحالة القبيحة وتحولت أخلاقهم الشنيعة إلى الخصال الحميدة والأخلاق المرضية فكان جل همتهم ومطمح نظرهم طاعة اللّه وطاعة رسوله حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه ابتغاء وجه اللّه ونصرة لشرعه ودينه فصاروا أنصارا وأعوانا . والحكمة فيه أن المحبة إنما تتعلق بالمحبوب عند تصور خير وكمال فيه ، ثم إن الخيرات والكمالات تنقسم إلى قسمين : أحدهما الكمالات الدائم الباقية وثانيهما الكمالات المتبدلة المتغيرة وهي الكمالات الجسمانية والخيرات الطبيعية البدنية . فالمحبة المبنية على مثل هذه الكمالات سريعة الزوال فإن الإنسان قد يتصور أن يحصل له بصحبة زيد مال عظيم أو جاه خطير فيحبه ثم يخطر بباله أن ذلك المال والجاه لا يحصل له فيبغضه لأن المحبة لما كانت معللة بتصور الكمال وكان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال كانت المحبة المتفرعة عليه سريعة التبدل والزوال . بخلاف ما إذا كان موجب المحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال فإن المحبة تكون باقية آمنة من التغير والزوال فإن حال المعلول في البقاء والتبدل تابع لحال العلة . وهذا هو المراد بقوله تعالى :الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ[ الزخرف : 67 ] إذا تقرر هذا فنقول : لما كان العرب قبل بعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طالبين للمال والجاه والمفاخرة بهما وكانت المحبة الواقعة بينهم معللة بهذه العلة فلا جرم كانت المحبة سريعة الزوال وكانوا