تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون اللّه وتأييده . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر « تكن » بالتاء في الآيتين ووافقهم البصريان في « فإن تكن منكم مائة صابرة »
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
( 65 ) بسبب أنهم جهلة باللّه واليوم الآخر لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثواب وعوالي الدرجات قتلوا أو قتلوا ولا يستحقون من اللّه إلا الهوان والخذلان .
شرح
أي أذابني وأفسدني . يقال : نهكت الثوب أنهكه نهكا بفتح الهاء في الماضي والمضارع أي لبسته حتى خلق . ونهكته الحمى إذا جهدته وأنحفته ونقصت لحمه . وأشفى على الشيء أشرف عليه . قال الزجاج : التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حتى يعلم منه أنه إذا تخلف عنه كان حارضا . والحارض هو الذي قارب الهلاك . ففي الآية إشارة إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا حارضين أي هالكين والحرض القرب من الهلاك . قال تعالى :حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ[ يوسف : 85 ] . قوله : ( شرط في معنى الأمر ) يعني أن الآية وإن كانت على صورة الإخبار بأن الواحد يغلب العشرة إلا أن المراد منها الأمر بالمصابرة والاجتهاد في القتال . ويدل عليه أنه لو كان المراد منها الإخبار لزم أن لا يغلب مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين قط ومعلوم أن الأمر ليس كذلك ، وأن قوله تعالى :الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْنسخ والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر وإن قوله تعالى بعد ذلك :وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَترغيب في الثبات على الجهاد وهو لا يلائم الإخبار . ثم إنه تعالى أثبت في الشرط الأول قيد الصبر وحذف قيد كون العد و « من الذين فروا » وحذف في الشرط الثاني قيد الصبر وقيد العدو بكونه« مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا »على عكس الأول فحذف من كل واحد منهما ما أثبت في الآخر وهو في غاية الفصاحة . وقرأ الكوفيون وإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا بتذكير يكن فيهما . ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما . وأبو عمرو ويعقوب في الأولى كالكوفيين ، وفي الثانية كالباقين . فمن ذكر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله :« مِنْكُمْ »ولأن التأنيث مجازي وأن المراد بالمائة الذكور ، ومن أنث اعتبر اللفظ ولم يلتفت إلى المعنى ولا إلى الفصل . وفرق أبو عمرو بين الفعلين فذكر في الأول لما ذكر ولأنه نظر إلى قوله :« يَغْلِبُوا »وأنث في الثاني لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله :« صابِرَةٌ ». وأما قوله تعالى :إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌفبالتذكير عند جميع القراء إلا الأعرج فإنه أنث المسند إلى عشرين ففي عبارة المصنف نوع إيهام . قوله : ( بسبب أنهم جهلة باللّه واليوم الآخر ) ومن اعتقد أن لا حياة إلا هذه الحياة الدنيوية فإنه يشح بها ولا يعرضها للزوال ، وأما من اعتقد أن الحياة المعتبرة إنما تكون في