يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ
كافيك
وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 64 ) إما في محل النصب على المفعول معه كقوله :
إذا كانت الهيجاء واشتجر القنى * فحسبك والضحاك وسيف مهنّد
أو الجرّ عطفا على المكنى عند الكوفيين ، أو الرفع عطفا على اسم اللّه أي كفاك اللّه والمؤمنون . والآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر . وقيل : أسلم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثة وثلاثون رجلا وستّ نسوة ثم أسلم عمر رضي اللّه تعالى عنه . فنزلت . ولذلك قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : نزلت في إسلامه .
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
بالغ في حثّهم عليه وأصله الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت . وقرىء « حرّص » من الحرص
إِنْ يَكُنْ
شرح
بأدنى سبب يقعون في الحرب والفتنة . فلما جاءهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ودعاهم إلى عبادة اللّه تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة زالت الخشونة والمخاصمات التي بينهم فصاروا إخوانا متوافقين . وبعد وفاته عليه الصلاة والسّلام فتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا إلى طلبها والرغبة فيها فعادوا إلى المعاداة والمحاربة وهذا هو السبب الحقيقي في كثرة وقوع الخلاف بين أهل الدنيا ودوام الإلفة والمحبة بين أهل اللّه وطلاب الآخرة . قوله : ( في محل النصب على المفعول معه ) المعنى كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين اللّه ناصرا . قوله :
( اشتجر ) يقال : اشتجر القوم وتشاجروا أي تنازعوا . والقنى جمع قناة وهي الرمح . والمهند السيف المصنوع من حديد الهند . وروي أن المصراع الأول هكذا .إذا كانت الهيجاء وانشقت العصاوانشقاق العصا عبارة عن التفرق والمخالفة . والهيجاء الحرب يمد ويقصر . قوله : ( أو الجر عطفا على المكنى ) أي على الكاف في « حسبك » ويجوز العطف على المضمر المجرور من غير إعادة الخافض عند الكوفيين نحو : مررت بك وزيد خلافا للبصريين .
قوله : ( وقيل أسلم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الخ ) فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمره عليه الصلاة والسّلام . وعلى أي قول كان لا تكون هذه الآية تكرارا لما قبلها لأن قوله : « فإن حسبك اللّه » معناه أنه تعالى يكفيك أمرهم إن صالحوك على سبيل المخادعة .
وهذه الآية معناه أنه تعالى يكفيك في كل ما تحتاج إليه من أمور الدنيا والدين . قوله : ( وهو أن ينهكه المرض ) أي يذهب لحمه ويضعفه ، والحرض الرجل الذي أذابه الحزن والعشق .
قال الشاعر :إني امرؤ لج بي حرض فأحرضني