ما كانَ لِنَبِيٍّ
وقرئ للنبي على العهد .
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى
وقرأ البصريان بالتاء
حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذلّ الكفر ويقل حزبه ويعزّ الإسلام ويستولي أهله . من أثخنه المرض إذا أثقله وأصله الثخانة . وقرئ « يثخّن » بالتشديد للمبالغة .
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا
حطامها بأخذكم الفداء .
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
واللّه يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل ثواب الآخرة من إعزاز دينه
شرح
روي أنه وقف وصبر ثلاثة آلاف من المسلمين في غزوة مؤتة وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زيد بن حارثة عليهم وقال : « إن قتل زيد فالأمير جعفر بن أبي طالب وإن قتل جعفر فعبد اللّه بن رواحة » مع مائتي ألف من المشركين مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعر به وهم لخم وخذام . ثم إنه تعالى علم حكما آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :ما كانَ لِنَبِيٍّمن الأنبياء ذلك فلم يكن منك ومن قرأما كانَ لِلنَّبِيِّفمعناه أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : ( وقرأ البصريان ) أبو عمرو ويعقوب « تكون » بالتأنيث لكون الجمع في تأويل الجماعة فإن أسرى جمع أسير فأسارى جمع الجمع مثل جريح وجرحى . وقرأ الباقون بالتذكير لكون الفعل متعديا وكون تأنيث أسرى غير حقيقي لأن المراد بهم الذكور وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد جار تذكير الفعل وعند اجتماع الكل يكون أولى . قوله : ( وأصله الثخانة ) وهي الغلظة والصلابة والقوة والشدة يقال : ثخن الشيء نخاثة أي غلظ وقوى وأثخنه المرض إذا اشتدت قوة المرض عليه فقوله :حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِأي حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقر فهمزة « أثخن » للصيرورة . وقال أكثر المفسرين : المراد منه أن يبالغ في قتل أعدائه قالوا : وإنما قلنا ذلك لأن اللفظ يدل عليه فإن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل . قال الشاعر :لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى * حتى يراق على جوانبه الدموكثرة القتل توجب قوة الرهبة وشدة المهابة فعبر عنها بالأثخان على طريق إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب . وكلمة « حتى » لانتهاء الغاية فقوله :حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِيدل على أنه بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسرى . قوله : ( حطامها ) هو ما تكسر من اليبس . عبّر عن منافع الدنيا وأسبابها بالحطام لقلة قدرها بالنسبة إلى تقوى اللّه .
وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا أخذ الفداء وسمى منافع الدنيا عرضا لأنها لا ثبات لها ولا دوام فكأنها تعرض ثم تزول . ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضا لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام فإنها تطرأ على الأجسام فتزول عنها والأجسام باقية