وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا
الضميران مفعولا يرى وقليلا حال من الثاني . وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه لمن إلى جنبه : أتراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مائة تثبيتا لهم وتصديقا لرؤيا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
حتى قال أبو جهل : إن محمدا وأصحابه أكلة جزور . قلّلهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترئوا عليهم ولا يستعدّوا لهم ثم كثرهم حتى يرونهم مثليهم لتفاجئهم الكثرة فنبهتهم وتكسر قلوبهم وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة . فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد وإنما يتصور ذلك بصدّ اللّه الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشروط .
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
كرره لاختلاف الفعل المعلل به أو لأن المراد بالأمر ثمة الاكتفاء على الوجه المحكي وههنا إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الإشراك وحزبه .
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً
حاربتم جماعة ولم يصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار واللقاء مما غلّب في القتال .
فَاثْبُتُوا
للقائهم
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً
في مواطن الحرب داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 45 ) تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة . وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر اللّه وأن يلتجيء إليه عند الشدائد . ويقبل عليه بشراشره فارغ البال واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال .
شرح
في أعين المشركين أيضا وهو قوله :وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْواعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين وقلل عدد المؤمنين في أعين المشركين . والحكمة في التقليل الأول تصديق رؤيا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأيضا لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم والحكمة في التقليل الثاني أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر فصار ذلك سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم . وقوله : « أكلة جزور » مثل يضرب به في القلة أي قلتهم بحيث تشبعهم جزور واحدة والأكلة جمع آكل .
قوله : ( قللهم في أعينهم ) جواب عما يقال : ما الحكمة في تقليل المؤمنين في أعين المشركين قبل التحام القتال ، ثم تكثيرهم بعده ؟ ويحتمل أن يكون التقليل من الجانبين مبنيا على أن المسلمين رأوا الملائكة معهم فكان المشركون في مقابلة المسلمين والملائكة قليلا ولم ير المشركون الملائكة فكان المسلمون في مقابلة المشركين قليلا . قوله : ( كرره لاختلاف الفعل المعلل به ) وهو الجمع بين الفريقين على الحالة المذكورة في الأول وتقليل