تلاقي الفريقان .
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
رجع القهقرى أي بطل كيده وعاد ما خيّل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم .
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ
أي تبرأ منهم وخاف عليهم وأيس من حالهم لمّا رأى إمداد اللّه المسلمين بالملائكة . وقيل : لما اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الأحنة وكاد ذلك يثنيهم فتمثّل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني وقال : لا غالب لكم اليوم وإني مجيركم من بني كنانة . فلما رأى الملائكة تنزل نكص وكان يده في يد الحارث بن هشام فقال له :
إلى أين أتخذ لنا في هذه الحالة ؟ فقال : إني أرى ما ترون . ودفع في صدر الحارث وانطلق وانهزموا فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة فبلغه ذلك فقال : واللّه ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم ، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان . وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله :
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ
إني أخافه أن يصيبني بمكروه من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت الموعود إذ رأى فيه ما لم ير قبله . والأول ما قاله الحسن
شرح
الضمير في « غالب » لما مر من أن اسم « لا » إذا عمل فيما بعده لا يجوز بناؤه لشبهه بالمضاف بل « اليوم » منصوب بما تعلق به الخبر و « من الناس » حال من الضمير فيه وقوله تعالى :وَإِنِّي جارٌ لَكُمْيجوز أن يكون معطوفا على قوله :لا غالِبَ لَكُمُفيكون قد عطف جملة مثبتة على جملة منفية ويجوز أن يكون حالا من فاعل ما تعلق به الخبر فتكون الواو للحال . قوله : ( ورجع القهقرى ) قيل : هذا أصل معنى النكوص إلا أنه قد اتسع فيه حتى استعمل كل في رجوع وإن لم يكن قهقرى والمراد مطلق الرجوع لأنه كناية عن الفرار .
وفيه بحث لأن غالب الفرار حال القتال إنما هو كما ذكر وهو رجوع القهقرى لخوف الفار من جهة العدو وقوله : « على عقبيه » حال مؤكدة لأن رجوع القهقرى إنما يكون على العقبين .
قوله : ( وخاف عليهم ) أي لا على نفسه إذ قد أمهله اللّه تعالى إلى الوقت المعلوم . روي عن قتادة أنه قال : صدق اللعين في قوله :إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَوكذب في قوله :إِنِّي أَخافُ اللَّهَواللّه ما به مخافة ولكن علم أنه لا قوة له فأوردهم معركة القتال وخذلهم . وتلك عادة عدو اللّه لمن أطاعه يقحمهم ورطة الهلاك ثم يتبرأ منهم . وقيل : لما رأى جبريل عليه السّلام خاف أن يأخذه جبريل ويعرفهم حاله وقل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي انظر إليه قد حضر فقال ما قال إشفاقا على نفسه . قوله : ( وقيل ) عطف على قوله : « مقالة نفسانية » . والأحنة الحقد والبغض الكامل . قوله : ( يثنيهم ) أي يكفهم ويصرفهم يقال : ثنيت الشيء إذا صرفته عن مقصده . قوله : ( وكان يده الخ ) جملة حالية بتقدير « قد » من فاعل « نكص » ويجوز أن ينقطع كلام إبليس عند قوله :إِنِّي أَخافُ اللَّهَثم