فَمَثَلُهُ
فصفته التي هي مثل في الخسّة
كَمَثَلِ الْكَلْبِ
كصفته في أخس أحواله وهو
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
أي يلهث دائما سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له ، بخلاف سائر الحيوانات ، لضعف فؤاده . واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد . والشرطية في موضع الحال والمعنى لاهثا في الحالتين ، والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الذي هو نفي الرفع ووضع المنزلة
شرح
لما خص هذا الرجل بآياته وبيناته وعلمه اسمه الأعظم وخصه بالدعوات المستجابة واتبع الهوى سلخه من الدين وصار في درجة الكلب . وذلك يدل على أن من كانت نعم اللّه عليه أكثر إذا أعرض عن متابعة الهدى واتبع الهوى كان بعده عن اللّه أعظم ، وإليه أشار صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من اللّه إلا بعدا » وقال عليه الصلاة والسّلام :
« ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف في دينه » .
قيل : كان سبب انسلاخه عنها طاعته امرأته وأخذه الحطام من أهل زمانه ولا شيء أضر بالعالم منهما . قوله : ( إدلاع اللسان ) بالدال المهملة يقال : دلع لسانه فاندلع أي أخرجه فخرج ودلع لسانه أي خرج يتعدى ولا يتعدى ، والتمثيل واقع موقع لازم التركيب يعي قوله تعالى :فَمَثَلُهُواقع موقع قوله فحططناه أبلغ حط ووضعنا منزلته الذي هو لازم مدلول قوله تعالى :وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِفإن مدلوله إنّا لم نشأ رفعه ونفي مشيئة الرفع يلزمه نفي الرفع ووضع المنزلة أقيم التمثيل المذكور مقام هذا اللازم للمبالغة في الحط ، فإن في تمثيله بالكلب حطا وفي تمثيله في أخس أحواله زيادة حط مع أن تصوير المعقول بصورة المحسوس أبلغ في بيانه لأن ألفة العامة بالمحسوس أتم وأكمل ، وإدراكهم له أعم وأشمل . قيل في وجه التمثيل : إن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في كل واحدة من حالتي الإعياء والراحة وحالتي العطش والري فإن ذلك عادة له وطبيعة وهو مواظب عليه للطبيعة الخسيسة لا لأجل حاجة وضرورة . فكذلك من آتاه اللّه العلم والدين وأغناه اللّه عن التعرض لأوساخ أموال الناس أي طلب الدنيا وإلقاء نفسه فيها كان حاله كحال ذلك اللاهث حيث واظب على الحالة الخسيسة والفعل القبيح لمجرد اتباع نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة لأجل الحاجة والضرورة . وقيل أيضا : إن العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا بأن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها فلا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات وتقرير العبارات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حالته شبيهة بحال ذلك الكلب الذي يخرج لسانه أبدا لمجرد الطبيعة الخسيسة سواء دعته إلى ذلك حاجة وضرورة أم لإثم إنه تعالى لما مثل حال من أوتي الآيات والبينات وعلم الاسم الأعظم