تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ
إلى منازل الأبرار من العلماء بها بسبب تلك الآيات وملازمتها
بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
مال إلى الدنيا أو إلى السفالة .
وَاتَّبَعَ هَواهُ
في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات . وإنما علّق رفعه بمشيئة اللّه تعالى ثم استدرك عنه بفعل العبد تنبيها على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه ، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث إن المشيئة تعلقت به كذلك ، وكان من حقه أن يقول ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه
« أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ »
. و
« اتَّبَعَ هَواهُ »
مبالغة وتنبيها على ما حمله عليه وأن حبّ الدنيا رأس كل خطيئة .
شرح
قد سبقوك فلحقتهم ، واتبعت أيضا غيري يقال : اتبعه الشيء فاتبعه . قال الأخفش : تبعته واتبعته بمعنى مثل ردفته وأردفته . قوله : ( أو إلى السفالة ) وهي الانحطاط الذي هو مقابل الرفع كما أن الدنيا مقابل لمنازل الأبرار فإن الدنيا ليست منازلهم لقوله عليه الصلاة والسّلام : « فاعبروها ولا تعمروها » . قوله : ( وإنما علق رفعه بمشيئة اللّه ) يعني أن الظاهر أن يعلق رفعه بفعله الذي يستحق به الرفع مثل أن يقال : لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها أي بسبب تلك الآيات وملازمتها لأن قوله بها أفادا أن لزوم الآيات والعمل بها سبب لرفعه فيكون الرفع بالآيات معلقا بلزوم العمل بالآيات ، فكان الظاهر أن يعلق الرفع بفعل العبد إلا أنه علق بمشيئته تعالى تنبيها على أن السبب الحقيقي هو المشيئة حيث إنها سبب للأفعال الموجبة لرفع الدرجة وأن الأفعال المذكورة وسائط في حصول رفعها ، فكما يصح تعليق الرفع بالوسائط المعتبر فيه يصح تعليقه بالمشيئة التي هي سبب تلك الوسائط والأفعال . ولما كانت كلمة « لو » تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره أفاد الكلام إنّا ما رفعنا درجته لعدم ملازمته العمل بمقتضى الآيات وملازمة العمل لما كانت مسببة عن المشيئة كان عدم الملازمة دليلا على انتفاء سببه الذي هو المشيئة فلزم أن يكون انتفاء الرفع لانتفاء المشيئة . ولذلك قال :وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُإلا أن الملائم حينئذ أن يستدرك بما يقال : لكنا لم نشأ رفعه على استثناء نقيض السبب الحقيقي أو لكنه أعرض عن ملازمة الآيات والعمل بمقتضاها على استثناء نقيض السبب الظاهري فعدل عنه وأوقع موقعهأَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِلما ذكره من المبالغة والتنبيه . ووجه المبالغة أن الإخلاد إلى الأرض كناية عن الإعراض عن الآيات والكناية أبلغ من التصريح فمحصول الآية : ولو شئنا رفع درجته لوفقناه للعمل بالآيات ورفعنا درجته بتلك الأعمال ولكنا لم نشأ منه ذلك فهذا يدل على أن الكائنات من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئة اللّه تعالى . وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء لأنه تعالى