على الغيبة .
إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ
فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذرا
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
( 173 ) يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك . وقيل : لما خلق اللّه آدم أخرج من ظهره ذرية كالذرّ وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر رضي اللّه تعالى عنه وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب المصابيح . والمقصود من إيراد هذا الكلام ههنا إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال ، كما قال :
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 174 ) أي عن التقليد واتباع الباطل .
شرح
أي بياء الغيبة على وفق ما سبق من قوله :مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْلئلا يقولوا . وقرأ الباقون بتاء الخطاب لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْوكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون . قوله : ( لأن التقليد عند قيام الدليل الخ ) بيان لوجه إلزام الحجة بقوله إن تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن هذا غافلين ما نبهنا البتة أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا على سبيل التقليد لأسلافنا ونحن لا نذكر هذا الإقرار والميثاق وأن تفكرنا . وذلك أنه تعالى لما أوضح دلائل وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به وأبدع نوع الإنسان على الفطرة السليمة التي يمكنون بها من معرفة الحق استدلالا بتلك الدلائل لم يتأت لهم أن يقولوا إنا كنّا عن هذا غافلين ولا أن يعتذروا بتقليد أسلافهم لأن الأدلة المنصوبة وتمكنهم من الاستدلال بها قائم معهم ، فلا عذر لهم في سلوك طريق الضلال أصلا .
قوله : ( لحديث رواه عمر رضي اللّه عنه ) والحديث رواه الإمام محيي السنة في المصابيح ومعالم التنزيل وهو أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سئل عن هذه الآيةوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْالآية قال عمر رضي اللّه عنه : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل عنها قال عليه الصلاة والسّلام : « إن اللّه تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره بشماله فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون » . فقال رجل :
ففيم العمل يا رسول اللّه ؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار » . قال