تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
من العلم بها وتمكّنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف على طريق التمثيل . ويدل عليه قوله :
قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي كراهة أن تقولوا
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
( 172 ) لم تنبّه عليه بدليل .
أَوْ تَقُولُوا
عطف على
« أَنْ تَقُولُوا »
. وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أوّل الكلام
شرح
ويحكم ما يريد . ونقل عن القرطبي أن القوم استدلوا بهذه الآية على أن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول ومن بلغ لم يغنه الميثاق الأول شيئا بل يكون ذلك حجة عليه إن أخلّ بالتصديق والإقرار حيث ضيع تمكنه من ذلك بالنظر الصحيح فيما نصب له من دلائل ألوهيته تعالى وربوبيته . وأقل تلك الدلائل أنه تعالى أخرجهم من أصلاب آبائهم ونقلهم إلى أرحام أمهاتهم إلى أن بلغوا بتقليب الأحوال عليهم من نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة إلى أن كانوا كاملي العقل مستعدين للاستدلال بما شاهدوا من آثار صنع اللّه تعالى فيهم على أن لهم إلها قادرا منفردا بالربوبية وكمال العلم والقدرة وهي الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها ليتمكن بها الإنسان مما له وما عليه . قوله : ( ويدل عليه ) أي على أن إشهادهم بأن قال لهم :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْبطريق التمثيل وتنزيل دلالة الحال منزلة البيان بالمقال قوله تعالى :قالُوا بَلى شَهِدْناأي أقررنا واعترفنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك . ووجه الدلالة أنه تعالى وإن كان له أن يكلم عباده إلا أن العقل السليم يأبى أن تتكلم الذريات المأخوذة من الأصلاب بلسان المقال لأن كون تلك الذريات تامة الخلقة سوية الأعضاء يقتضي أن لا يكون خلق الإنسان من النطفة على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ وقوله تعالى :شَهِدْنافيه قولان : الأول أنه من كلام الملائكة وذلك أن الذرية لما قالوا : بلى قال اللّه تعالى للملائكة : اشهدوا فقالوا : شهدنا عليهم بالإقرار لئلا يقولوا يوم القيامة ما أقررنا وما علمنا أن لنا إلها يجب اتباع أمره فأسقط كلمة « لا » كما في قوله تعالى :وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ[ النحل : 15 ] أي لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين . وتقديره عند البصريين شهدنا كراهة أن تقولوا فقوله :أَنْ تَقُولُوامتعلق بقول الملائكة شهدنا أي معمول له على أنه مفعول من أجله وكلام الذرية قد انقطع عند قولهم : « بلى » فيحسن الوقف عليه . والقول الثاني أن قوله : « شهدنا » من بقية كلام الذرية وعلى هذا التقدير فقوله :أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَيكون مفعولا له لقوله :وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْأي وأشهدهم على أنفسهم بكذا وكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين . وعلى هذا التقدير لا يجوز الوقف على قوله : « شهدنا » أيضا لأن قوله :أَنْ تَقُولُوالما تعلق بما قبله وهو قوله : « وأشهدهم » لم يجز قطعه عنه . قوله : ( وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء )