بِرَبِّكُمْ
أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] فنزّل تمكينهم
شرح
أو أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا والأول باطل لانعقاد الإجماع على أنهم بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ، وكذا الثاني لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان . ثم قال : والقول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات وهو أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك بأنهم كانوا نطفا فأخرجها اللّه تعالى وأودعها أرحام الأمهات وجعلها علقا ثم مضغا حتى جعلهم بشرا سويا خلقا كاملا ، وكان ذلك في أدنى مدة كما يموت الكل فيها عند النفخة الأولى ويحيي الكل فيها عند النفخة الثانية . وكما أنه تعالى علم آدم أسماء الأشياء كلها فيها ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وغرائب صنعته فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا :
بلى وإن لم يكن هناك قول باللسان . ونظيره قوله تعالى :فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[ فصلت : 11 ] وقول من قال : قال الجدار للوتد لم نشقني قال سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي . وقول الشاعر :امتلأ الحوض وقال قطنيثم قال : هذا القول الثاني لا طعن فيه البتة وأنه لا ينافي صحة القول الأول . وأجاب عن قول من قال : لو صح القول بأخذ الميثاق لوجب أن يتذكره الإنسان الآن بأن خالق العلم بالأحوال الماضية هو اللّه تعالى وهو فاعل مختار جائز أن لا يخلقه . وأجاب عن قولهم : إن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل بأن البنية ليست شرطا عندنا لحصول الحياة والعلم فإن الجزء الذي لا يتجزأ قابل للحياة والعقل . وعن قولهم إن ظهر آدم لا يسع لمجموعها بأن هذا إذا قلنا إن الإنسان عبارة عن الجواهر الفردة وأما إذا قلنا إن الإنسان هو النفس الناطقة وإنه جوهر غير متحيز ولا حال في التحيز فالسؤال زائل . والمصنف لما جعل قوله تعالى :وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلىاستعارة تمثيلية مبنية على تشبيه حال شيء بحال شيء آخر حيث شبه نصب أدلة الربوبية وتمكينهم من معرفة ربوبيته تعالى بإشهادهم عليها وسؤالهم سؤال التقرير بقوله :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْأجاب بما له مدخل عظيم في المعرفة والإقرار والتمسك والطاعة فيكون حجة عليهم في التمسك بالإيمان وأخذ الميثاق بهذا المعنى المجازي قائم مقام الإقرار بربوبيته تعالى وإقرارهم بها وإعطاؤهم الميثاق عليها قائم مقام تمكينهم من العلم بها . وهذا التمكين القائم معهم في هذا العالم سبب تمكنهم من الاستدلال بما لهم من العقول المؤدية إلى شهادتهم على الفائدة في أخذ الميثاق بأنه تعالى يفعل ما يشاء