تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
كقوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] والظاهر يقتضي أن اللّه تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم . ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى . روي أن الناهين لما آيسوا من اتعاظ المعتدين كرهوا مساكبتهم فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا : إن لهم شأنا . فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسباءهم ولكن القرود تعرفهم فجعلت تأتي أنسباءهم وتشمّ ثيابهم وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث . وعن مجاهد : مسخت قلوبهم لا أبدانهم .
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
أي اعلم تفعل من لا إيذان بمعناه كالتوعد والإيعاد ، أو عزم لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله وأجرى مجرى فعل القسم كعلم اللّه وشهد اللّه
شرح
قوله : ( كقوله : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) يعني أن قوله تعالى :قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةًليس المراد به أنه تعالى كونهم قردة بقول وكلام سمع يدل على طلب التكوين لأن حمل الكلام على الأمر بعيد من حيث إن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادرا عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة . وأيضا لأمر بالكون إن كان حال وجود المكون فلا وجه للأمر وإن كان حال عدمه فكذلك إذ لا معنى لأن يؤمر المعدوم بأن يوجد بنفسه بل المراد أنه تعالى مسخهم قردة بتعلق قدرته وإرادته بذلك إلا أنه أخرج الكلام على طريق الاستعارة التمثيلية بأن شبه تأثير قدرة اللّه تعالى في المراد من غير توقف وامتناع ومن غير مزاولة عمل واستعمال آلة بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به من غير امتناع وتوقف فاستعير قوله تعالى :كُونُوا قِرَدَةًمن أمر المطاع للمطيع لتأثير قدرته في المكون وليس ثمة قول ولا أمر ولا مأمور حقيقة . قوله : ( والظاهر يقتضي أن اللّه تعالى عذبهم أولا ) أي الظاهر أن العذاب البئيس المذكور أولا غير المسخ المذكور بعده وأن القوم تمردوا مع نزول ذلك العذاب فمسخهم اللّه تعالى قردة بعد ذلك ، وإن جاز أن يكون قوله تعالى :فَلَمَّا عَتَوْاعمانُهُوا عَنْهُتكريرا للآية الأولى وتفصيلا لها . قوله : ( أي أعلم ) والمعنى اذكر يا محمد إذ أعلم اللّه أسلافهم على ألسنة أنبيائهم أنهم إن غيروا وبدلوا ولم يؤمنوا بالنبي الأمي سلط اللّه عليهم العرب يقاتلونهم إلى أن يسلموا أو يعظوا الجزية . كذا في التيسير . فضمير« عَلَيْهِمْ »على هذا ينبغي أن يرجع إلى من وجد في عصره عليه الصلاة والسّلام يعني أن« تَأَذَّنَ »مثل توعد بمعنى أوعد إلا أن الإيذان قد يراد به التبيين والإعلام للغير وهو قوله : « أي اعلم » . وقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : تأذن ربك أي قال ربك . وقد يراد به العزم على الأمر وتصميم النية الجازمة القاطعة كقوله : لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل أي لمن لم يقطعه بالنية وعزم اللّه تعالى على الأمر عبارة عن