وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً
شديد الغضب . وقيل : حزينا .
قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي
فعلتم بعدي حيث عبدتم العجل والخطاب للعبدة ، أو قمتم مقامي فلم تكفّوا العبدة والخطاب لهارون والمؤمنين معه . و « ما » نكرة موصوفة تفسر المستكن في « بئس » . والمخصوص بالذم محذوف تقديره : بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم ، ومعنى « من بعدي » من بعد انطلاقي أو من بعد ما رأيتم مني من التوحيد
شرح
الندم في قلوبهم ونفوسهم . وعبر عن وقوع الندم في القلب بسقوطه في اليد لأن اليد لكونها جارحة عظيمة يتوسل بها إلى عامة الأفعال من الطاعات والمعاصي يسند إليها ما لم يكن لها مدخل في مباشرته وتحصيله نحو : اتسعت يد فلان وضاقت يده كقوله تعالى :ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ[ الحج : 10 ] وكثير من الذنوب لم تقدمه اليد . وأيضا تجعل اليد محلا لما لا يحل فيها البتة نحو : حصلت الأصحاب والعبيد والإماء في يده فشبه ما يحصل في النفس والقلب بما يحصل في اليد في التحقق والظهور والتمكن من الانتفاع به فأطلق عليه أنه في اليد على سبيل الاستعارة التمثيلية وهذا الندم والاستغفار المبني على العلم بأنهم قد ضلوا فارتكبوا معصية اللّه تعالى كان بعد رجوع موسى إليهم وتحقق خطاهم وضلالهم بالبراهين القاطعة . قوله : ( شديد الغضب وقيل حزينا ) يعني أن الأسف صفة مشبهة كالزمن ومعناه شديد الغضب . يقال : آسفني فأسفت أي أعضبني فغضبت ومنه قوله تعالى :فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ[ الزخرف : 55 ] وقال السدي والكلبي : الأسف الحزين . ثم قيل : إن غضبه للّه تعالى وتأسفه على ما كان منهم من عبادة العجل والكفر باللّه تعالى حصل عند مجيئه من الطور إلى قومه من حيث إنه إنما عرف حالهم عند ذلك . وقيل : بل كان عارفا بذلك قبل مجيئه إليهم وهو أقرب لقوله تعالى :وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاًوهو إنما كان راجعا إلى قومه قبل وصوله إليهم عالما بهذه الحالة بسبب أنه تعالى أخبره في حال المكالمة بما كان من قومه من عبادة العجل بقوله :فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ[ طه : 85 ] فرجع موسى إلى قومه غضبان من ذلك متأسفا على ما كان منهم وفسر قوله تعالى :بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِيبقوله : « بئسما فعلتم وعملتم بعدي » بناء على أنه يقال : خلفه بما يكره إذا عمل بعده ذلك العمل كما يقال : خلف فلان فلانا إذا كان خليفته ومنه قوله تعالى :وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي[ الأعراف : 142 ] . قوله :
( تفسر المستكن في بئس ) فإن الفاعل في باب « نعم » و « بئس » إذا كان مضمرا يجب أن يفسر بنكرة موصوفة أو « بما » وفسر ههنا بقوله : « ما خلفتموني » ولا يجوز أن يكون ما خلتموني فاعل « بئس » لأن فاعله يجب أن يكون معرفا باللام أو مضافا إلى المعرف باللام وهو ليس واحدا منهما . فتعين أن يكون الفاعل مضمرا ولا يضمر الفاعل فيه إلا بشرط التفسير ومفسره