وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا
لوقتنا الذي وقتّناه . واللام للاختصاص أي اختص مجيئه بميقاتنا .
وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
من غير وسط كما يكلم الملائكة . وفيما روي أن موسى عليه السّلام كان يسمع هذا الكلام من كل جهة تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين .
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك أو تتجلّى لي فأنظر إليك وأراك . وهو دليل على أن رؤيته جائزة في الجملة لأن
شرح
يتقرب المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خيفتي .
أما الزاهدون في الدنيا فأبيحهم جنتي حتى يتبوأ وافيها على أطيب عيش وأرغده ، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب إلا الورعين فإني أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب ، وأما الباكون من خيفتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه » .
قوله : ( لوقتنا الذي وقّتناه ) إشارة إلى أن الميقات أضيف إليه تعالى لمناجاة موسى وإنزال الكتاب عليه كقوله تعالى : أنأَجَلَ اللَّهِ *لآت لأنه ثبت بتأجيله . قوله : ( وفيما روي الخ ) اختيار لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن كلام اللّه تعالى صفة أزلية قائمة بذاته تعالى مغايرة لهذه الحروف والأصوات ، وأن تكليمه تعالى هو أن يسمع بعض المخلوقين كلامه القديم بلا صوت وحرف ليسمعه من جميع الجهات بلا جهات . ولهذا خص موسى عليه الصلاة والسّلام باسم الكليم لاختصاصه بذلك من بين البشر وكما لا يبعد رؤية ذاته تعالى مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا ، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون صوتا ولا حرفا . وقالت المعتزلة : كلام اللّه تعالى عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة القائمة بالجسم المباين لذاته تعالى وتكليمه عبارة عن أن يخلق الكلام بالمعنى المذكور منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح . قوله : ( أرني نفسك ) يريد أن ثاني مفعول « أرني » محذوف حذف مبالغة في الأدب حيث لم يواجهه بالتصريح بالمفعول ، إلا أنه تعالى لما كلمه وقر به نجيا عظم شوقه إلى مشاهدة ذاته المقدسة فلذلك لم يصبر عن سؤال الرؤية . وقوله : « بأن تمكنني من رؤيتك » الخ جواب عما يقال : النظر في قوله :أَنْظُرْ إِلَيْكَإما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها التي هي تقليب الحدقة إلى جانب المرئي طلبا لرؤيته . وعلى التقدير الأول يكون المعنى أرني نفسك حتى أراك ، وهذا فاسد لأن الشيء لا يكون غاية لنفسه . وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك ، وهذا فاسد لوجهين : أحدهما أنه يقتضي إثبات الجهة والثاني أن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي مقدمة الرؤية وقد جعل كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد . وتقرير الجواب أن النظر بمعنى الرؤية إلا أن المطلوب ليس خلق الرؤية فيه حتى يلزم كون الشيء غاية لنفسه