لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي
كن خليفتي فيهم
وَأَصْلِحْ
ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحا .
وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
( 142 ) ولا تتبع من سلك سبيل الإفساد ولا تطع من دعاك إليه .
شرح
من باب نصر . وأشار المصنف بنقل هذه الرواية إلى جواب ما يقال : ما الحكمة في تفصيل الأربعين ههنا إلى الثلاثين والعشر مع الاقتصار على الأربعين في سورة البقرة حيث قيل فيهاوَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً[ البقرة : 51 ] ؟ وتقرير الجواب أن الحكمة في التفصيل ههنا الإشارة إلى أن أصل المواعدة كان على صوم الثلاثين وزيادة العشر كانت لإزالة الخلوف ، وما ذكره في سورة البقرة من مواعدة الأربعين فهو بيان الحاصل وجمع بين العددين ، وقوله :
« وقيل أمره بأن يتخلى » الخ جواب آخر عن ذلك وتقريره : فصل الأربعين إلى مدتين لكون ما حل في إحدى المدتين مغايرا لما حل ووقع في الأخرى فإن المدة الأولى عينت لأن يتجرد فيها لما يتقرب به إلى اللّه تعالى ، والمدة الثانية عينت لأن يفوز فيها بكرامة مولاه . قال الإمام : الفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت ما وقت لشيء قد رام لا ويوافقه . قول المصنف في تفسير قوله تعالى :إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً[ النبأ : 17 ] أي حدا يوقت به الدنيا وتنتهي عنده أو حدّا للخلائق ينتهون إليه . ثم إن موسى عليه الصلاة والسّلام لما أراد الانطلاق إلى الجبل للمناجاة أمره اللّه تعالى أن يختار سبعين رجلا من قومه من ذوي الحجى ليشهدوا له على ما يشاهدونه من إكرام اللّه تعالى إياه ففعل .
واستخلف أخاه هارون على قومه وقال له : كن خليفتي على قومي وأصلح أمرهم وسر فيهم بالسيرة الصالحة التي لا فساد فيها وثبتهم على ما أخلفهم عليه من الإيمان وإخلاص العبادة للّه تعالى . قوله : ( ما يجب أن يصلح ) على أن يقدر له مفعول وما بعده على أن يجري مجرى اللازم . قال الإمام الواحدي نقلا عن المفسرين رحمهم اللّه : لما أراد اللّه تعالى أن يكلم موسى أهبط إلى الأرض ظلمة سبعة فراسخ فلما دنا موسى عليه الصلاة والسّلام إلى الظلمة طرد عنه شيطانه وطرد هوام الأرض ونحى عنه ملكاه . ثم كلمه اللّه تعالى وكشطت له السماء فرأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا ، وكان بعد ذلك لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات . وقالت له امرأته :
أنا ما رأيت منك وجهك مذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت للّه ساجدة وقالت : ادع لنا أن يجعلني زوجتك في الجنة ، قال : ذلك إن لم تتزوجي بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ناجى موسى ربه بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام كلها وصايا فكان فيما ناجاه أن قاله له : يا موسى لم يتصف المتصفون بمثل الزهد في الدنيا ولم