تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوا وانهماكا في الغي . وإنما عرّف الجنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد لها إلا بالتبع .
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومشيئته أو سبب شؤمهم عند اللّه وهو أعمالهم المكتوبة عنده فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤهم . وقرىء « إنما طيرهم » وهو اسم جمع وقيل : هو جمع .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 131 ) أن ما يصيبهم من اللّه أو من شؤم أعمالهم .
شرح
وكانت العرب تزجر الطير فتتشاءم بالبارح ، وتتبرك بالسانح ، والسانح من الطير ما يجيء من جهة يمين الإنسان ويجوز إلى جهة يساره فلا يمكن رميه حتى ينحرف الرامي إليه . وقال رؤية : السانح ما أولاك ميامنه والبارح ما أولاك مياسره . وقيل : إن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة ذهب إلى الطير في وكرها ينفرها فإذا أخذت يمينا مضى إلى حاجته وهذا هو السانح عندهم ، وإذا أخذت شمالا رجع وهذا هو البارح عندهم . فنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك بقوله : « أقروا الطير على وكناتها » الوكنة موقع الطير حيث ما وقعت .
والجمع وكنات ووكنات ووكن . وقال عليه الصلاة والسّلام : « من رجعه التطير عن حاجته فقد أشرك » قيل : وما كفارة ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : « أن يقول أحدكم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي إلى حاجته » . فلما جعلوا الطائر أمارة ودليلا على الشؤم وهو ضد اليمن سمى الشؤم طائرا وطيرا تسمية للمدلول باسم الدليل . هذا وجه ما نقل عن الأزهري وهو المنقول عن ابن عباس أيضا حيث قال : قولهأَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِيريد به أن شؤمهم من قبل اللّه تعالى أي إنما جاءهم الشر بقضاء اللّه تعالى وحكمه . فسر الطائر هنا بالشؤم الذي هو سبب ما نال الإنسان من الشر . وإليه أشار المصنف بقوله : « أي » سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومشيئته » وبقوله : « أو سبب شؤمهم » الخ بتقدير المضاف والمعنى على التقديرين : كل ما يصيبهم من خير وشر فهو بقضاء اللّه تعالى وتقديره وحكمه ومشيئته . قال الفراء : وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة فقالوا : غلت أسعارنا وقلّت أمطارنا منذ أتانا وكثرت أمواتنا . ثم أعلم اللّه تعالى على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن طيرتهم باطلة فقال : « لا طيرة ولا هام » وكان عليه الصلاة والسّلام يتفاءل ولا يتطير .
وأصل الفأل الكلمة الحسنة وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد . فأثبت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الفأل وأبطل الطيرة . والفرق بينهما أن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية والطيرية فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير وحركات البهائم ، فإن أرواحها ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال .