الاستفهام بالواو كقول الحطيئة :
ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودّة والإخاء
على معنى أيكون منك ترك موسى ويكون منه تركه إياك . وقرىء بالرفع على أنه عطف على أتذر أو استئناف أو حال . وقرىء بالسكون كأنه قيل : يفسدوا ويذرك كقوله تعالى :
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ
[ المنافقين : 10 ]
وَآلِهَتَكَ
ومعبوداتك . قيل : كان يعبد الكواكب . وقيل : صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه ولذلك قال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] وقرىء آلهتك أي عبادتك
قالَ
فرعون
سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
كما كنّا نفعل من قبل ليعلم إنّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجّمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده . وقرأ ابن كثير ونافع « سنقتل » بالتخفيف
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
( 127 ) غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا .
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
لمّا سمعوا قول فرعون وتضجّروا منه تسكينا لهم
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
تسلية لهم
شرح
بالفاء ، كقول الحطيئة :( ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودة والإخاء )والمعنى : كيف يكون الجمع بين تركك موسى وقومه مفسدين ، وبين تركهم إياك وعبادة آلهتك أي لا يمكن وقوع ذلك على أن الاستفهام للإنكار ولا يلزم أن يكون للإنكار .
فإن المضارع ينتصب « بأن » مقدرة بعد الواو الدالة على المعية بشرط أن يكون قبلها أحد الأشياء الستة ومنها الاستفهام كما إذا قلت : هل تعينني وأكرمك فإن المسؤول عنه اجتماع الأمرين أعني الإعانة والإكرام . قوله : ( كأنه قيل يفسدوا ويذرك ) يريد أنه من قبيل العطف على التوهم كأنه توهم جزم « يفسدوا » في جواب الاستفهام فعطف عليه بالجزم بناء على أن جواب الاستفهام كثيرا ما يكون مجزوما بأن مقدرة نحو : أين بيتك أزرك ، فلو لم يذكر اللام في« لِيُفْسِدُوا »لجاز أن يكون مجزوما في جواب الاستفهام ويكون و « يذرك » أيضا مجزوما بالعطف عليه . فهذا الجائز قد توهم واقعا فانجزم المعطوف لذلك كما في قوله تعالى :فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْبجزم « أكن » فإن « أصدق » منصوب « بأن » مضمرة في جواب التحضيض الجاري مجرى العرض والتمني إلا أنه نزل منزلة المجزوم في جواب التحضيض مع ترك الفاء فعطف عليه « أكن » بالجزم كأنه قيل : لولا أخرتني إلى أجل قريب أصدق وأكن . قوله :
( أي عبادتك ) على أن الآلهة مصدر بمعنى العبادة .