قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ
من عند من أرسلك .
فَأْتِ بِها
فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك .
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 106 ) في الدعوى
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
( 107 ) ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان وهي الحية العظيمة . روي أنه لمّا ألقاها صارت ثعبانا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر . ثم توجّه نحو فرعون فهرب منه وأحدث وانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، وصاح فرعون : يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل . فأخذه فعاد عصا .
وَنَزَعَ يَدَهُ
من جيبه أو من تحت إبطه
فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
( 108 ) أي
شرح
الأرض المقدسة وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف عليه الصلاة والسّلام مصر واليوم الذي دخل فيه موسى أربعمائة عام . قوله : ( فأحضرها عندي ) يعني أن الإتيان والمجيء وإن كانا بمعنى إلا أن بينهما فرقا باعتبار المبتدأ والمنتهى . والحاصل أن ظاهر الكلام طلب حصول الشيء على تقدير الحصول ولا معنى له فأجاب ببيان مغايرة المطالبة للحصول وهذا مراد من قال : السؤال على اتحاد الشرط والجزاء فإن مبدأ المجيء هو جناب المرسل ومنتهى الإتيان هو المرسل إليه . قوله : ( أشعر ) رجر أشعر أي كثير شعر الجسد . وفغر فاه أي فتحه .
وأحدث أي استطلق بطنه في ثيابه حتى علم به جلساؤه ولم يكن أحدث قبل ذلك . ذكر في الوسيط أنه قام به بطنه في ذلك اليوم ولم يستمسك بطنه بعد ذلك حتى هلك . وصف العصا ههنا بكونها ثعبانا وهو العظيم الهائل الخلق ، وفي موضع آخر بقوله : كأنها جان والجان من الحيات الخفيف الضئيل الخلق فكيف الجمع بين هاتين الصفتين ؟ أجاب صاحب الكشاف عنه في غير هذا الموضع بجوابين : أحدهما أنه جمع لهاتين الصفتين بين كبر الجثة كالثعبان وبين خفة الحركة وسرعة المشي كالجان . والثاني أنها في ابتداء أمرها تكون كالجان ثم يتعاظم ويتزايد جسمها إلى أن تصير ثعبانا ولما كان انقلاب جسم العصا ثعبانا أمرا ممكنا في ذاته وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات لزم القطع بكونه تعالى قادرا على قلب العصا ثعبانا . نقل صاحب التيسير وهو أن موسى وهارون عليهما الصلاة والسّلام لما دخلا دار فرعون ووقفا بين يديه لقن اللّه تعالى موسى دعوة دعا بها فقال : لا إله إلا اللّه الحليم الكريم سبحان رب السماوات السبع ورب العرش العظيم والحمد للّه رب العالمين اللهم إني أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره وأستعينك عليه فأكفنيه بما شئت . فتحول ما في قلب موسى من الخوف أمنا وتحول ما في قلب فرعون من الأمن خوفا . فمن دعا بهذا الدعاء وهو خائف أمنه اللّه ونفس كربته وخفف عنه كرب الموت . قوله تعالى :( لِلنَّاظِرِينَ )متعلق بمحذوف لأنه صفة « لبيضاء » وقول صاحب الكشاف إنه متعلق ببيضاء أراد به التعلق المعنوي لا تفسير