فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ
قاله تأسّفا بهم لشدة حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه فقال :
فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
( 93 ) ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم أو قاله اعتذارا عن عدم شدة حزنه عليهم . والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح والإشفاق فلم تصدّقوا قولي فكيف آسي عليكم . وقرىء « إسى » بإمالتين .
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
بالبؤس والضر
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
( 94 ) كي يتضرعوا ويتذللوا
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة السلامة والسعة ابتلاء لهم بالأمرين .
حَتَّى عَفَوْا
حتى كثروا عددا وعددا . يقال : عفا النبات إذا كثر ، ومنه إعفاء اللحى .
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ
كفرانا لنعمة اللّه ونسيانا لذكره واعتقادا بأنه من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ، وقد مس آباءنا منه مثل ما مسنا .
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
فجأة
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 95 ) بنزول العذاب .
شرح
( قاله تأسفا ) أي لا على طريق المكالمة مع الأموات حقيقة . فإن الظاهر أنه إنما تولى عنهم بعد ما نزل العذاب بهم إذ لا فائدة في خطابهم . والأسى شدة الحزن من أسى يأسي بكسر العين في الماضي وفتحها في العنابر كرضى يرضى وآسى ببناء المتكلم وحده على وزن افعل ، وفسر الآية بوجهين : الأول أنه اشتد حزنه على هلاك قومه . ثم أنه عزى نفسه بأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر فقال منكرا على نفسه ، ما لي أتحزن على هلاك قوم استحقوا الهلاك ، والثاني أنه لم يحزن على هلاكهم وإنما قال ما قاله اعتذارا عن عدم شدة حزنه عليهم فإن الاستفهام للإنكار أي لا آسى عليهم . قوله تعالى :( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ )لما بيّن اللّه تعالى جواب أحوال هؤلاء الأنبياء وأحوال ما جرى على أممهم كان من الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال إلا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط فبيّن في هذه الآية أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وبيّن العلة التي بها يفعل ذلك . والمراد بالقرية مجتمع القوم قرية كانت أو مدينة . قوله : ( ومنه إعفاء اللحى ) أي توفيرها وتكثير شعرها . واللحى بالضم والكسر جمع لحية وقوله : « من نبي فيه » حذف وإضمار فإن من نبي موصوف حذف صفته أي من نبي كذب أو كذبه أهلها . روي عن الزجاج أن البأساء كل ما نالهم من شدة في أموالهم ، والضراء ما نالهم من الأمراض . وقيل :
على العكس فالمعنى أنهم متى نالهم شدة قالوا : ليس هذا بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل ولم يكن ما نالنا من البأساء والضراء عقوبة من اللّه تعالى بل هو من عادات الزمان بأهله ، فمرة يحصل لهم الشدة والضراء ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة ، فكونوا على ما