كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
أي بنفي الشرك عنها وحمله على كذبهم في الدنيا فيه تعسف يخلّ بالنظم . ونظير ذلك قوله :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ
[ المجادلة : 18 ]
شرح
القيامة على أنهم ما كانوا مشركين وهو كذب . واحتج المنكرون بأن حقائق الأشياء تنكشف يوم القيامة فإذا اطلع أهل القيامة على الحقائق وعلى أن لا منفعة لهم في الكذب استحال صدور الكذب عنهم . وأجابوا عن الآية بأن المعنى : ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا ذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم موحدون متباعدون عن الشرك ويقولون :
إنما نعبد الأصنام ليقربونا إلى اللّه زلفى . ثم اعترضوا على أنفسهم بأنهم على هذا التقدير يكونون صادقين فيما أخبروا فلم قال اللّه تعالى :انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ؟وأجابوا بأنه ليس يجب أن يكون المراد أنهم كذبوا في قولهموَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَبل يجوز أن يكون المراد . انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم : إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا وإنما ينفى عنهم ذلك في دار الآخرة . والمصنف اختار مذهب الجمهور وأشار إلى أن دليل المنكرين لا يستلزم دعواهم لجواز أن يطلع أهل القيامة على الحقائق وعلى أنه لا منفعة لهم في الكذب ، وأن يقولوا ذلك القول الكذب مع علمهم بأنه لا ينفعهم بناء على أنهم لما عاينوا أهوال القيامة غلب عليهم الدهشة والحيرة فقالوا ذلك بناء على اختلاط عقولهم وجاز لأهل القيامة أن يتكلموا بما يخالف ما اعتقدوه كقولهم :رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها[ المؤمنون : 107 ] مع أنهم أيقنوا بالخلود . قوله : ( وحمله ) أي حمل قوله تعالى :انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْعلى كذبهم في الدنيا تعسف يخل بنظم الآية ، وذلك لأن ما قبلها من قوله :وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْإلى قوله :ما كُنَّا مُشْرِكِينَوما بعدها وهو قوله :وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَفي أحوال الآخرة فصرف الوسط إلى أحوال الدنيا يوجب تفكيك النظم الآية . قوله : ( ونظير ذلك ) أي نظير قولهم يوم القيامةما كُنَّا مُشْرِكِينَفي الدلالة على وقوع الكذب من أهل القيامة . قوله تعالى :يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً[ المجادلة : 6 ، 18 ] الآية فإنه تعالى قال في حق المنافقين :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[ المجادلة : 14 ] يعني تولوا اليهود وقالوا للمسلمين : واللّه إنا مسلمون وهو حلفهم على الكذب ثم قال بعده :يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ[ المجادلة : 18 ] وليس معناه إلا أنهم يحلفون للّه تعالى في الآخرة على أنهم مسلمون كما يحلفون لكم في الدنيا فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا والجمهور على جر ربنا على الوصفية أو البدلية أو عطف البيان .