وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ
بكل طريق من طرق الدين كالشيطان وصراط الحق ، وإن كان واحدا لكنه يتشعّب إلى معارف وحدود وأحكام . وكانوا إذا رأوا واحدا يسعى في شيء منها منعوه . وقيل : كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيبا إنه كذاب فلا يفتننّك عن دينك ، ويوعدون من آمن به . وقيل : كانوا يقطعون الطريق .
وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يعني الذي قعدوا عليه فوضع الظاهر موضع المضمر بيانا لكل صراط ودلالة على عظم ما يصدون عنه وتقبيحا لما كانوا عليه ، أو الإيمان باللّه .
مَنْ آمَنَ بِهِ
أي باللّه أو بكل صراط على الأول و
« مَنْ »
مفعول
« تَصُدُّونَ »
على إعمال الأقرب ولو كان مفعول
« تُوعِدُونَ »
لقال : وتصدونهم . و
« تُوعِدُونَ »
بما عطف عليه في موقع الحال من الضمير في
« تَقْعُدُوا »
.
وَتَبْغُونَها عِوَجاً
وتطلبون لسبيل اللّه عوجا بإلقاء الشبه أو وصفها للناس بأنها معوجة .
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا
عددكم أو عددكم
فَكَثَّرَكُمْ
بالبركة في النسل أو المال
وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
( 86 ) من الأمم قبلكم واعتبروا بهم .
شرح
الخيرية حينئذ بمعنى الزيادة مطلقا لأن القوم كفرة ولم يفرض إيمانهم ليستحقوا ثواب الآخرة . والأحدوثة ما يتحدث به وحسن الأحدوثة عبارة عن الذكر الجميل في الدنيا فإن قلت الخيرية فيما ذكر من الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال تتوقف حينئذ على تصديقهم الناصح في قوله : « وهم ليسوا كذلك » . أجيب بأن قوله :إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَليس شرطا للخيرية بل لفعلهم ما ذكر من الأمور كأنه قيل : فأتوا به إن كنتم مصدقين .
قوله : ( بكل طريق ) الباء فيه للإلصاق لأن القعود ملصق بالمكان وفعل القعود كما يتعدى بباء الإلصاق يتعدى أيضا بكلمة « على » وبكلمة « في » فيقال : قعد على مكان كذا وفي مكان كذا لاستعلاء القاعد على ذلك المكان وحلوله فيه . وقوله :« تُوعِدُونَ »و« تَصُدُّونَ »و « تبغون » أحوال أي لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين ، ولم يذكر الموعود به لتذهب النفس كل مذهب . قوله : ( أو بكل صراط على الأول ) يعني على تقدير أن يراد بقوله :عَنْ سَبِيلِ اللَّهِالصراط الذي قعدوا عليه من طرق الدين يكون ضمير « به » راجعا إلى قوله :بِكُلِّ صِراطٍأي تصدون عنه من آمن به على إعمال الفعل الثاني وحدف مفعول الأول وهو مختار البصريين . ولو أعمل الأول لوجب إضمار مفعول الثاني على المختار حتى قال بعضهم : لا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر ولو أضمر لقيل وتصدونهم ، لكن لم ينزل القرآن هكذا فعلم أن « من آمن » ليس مفعول « توعدون » . قوله تعالى :وَاذْكُرُواإما أن يكون مفعوله محذوفا فيكون الظرف المذكور بعده معمولا لذلك المفعول أي اذكروا نعمة اللّه عليكم في ذلك الوقت ، وإما أن يجعل نفس الظرف مفعولا به . والأول هو الأوفق لقول