تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
( 79 ) ظاهره أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين . ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم كما خاطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل قليب بدر وقال : « إنّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا » . أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم .
وَلُوطاً
أي وأرسلنا لوطا
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ
وقت قوله بهم أو واذكر لوطا . و
« إِذْ »
بدل منه
أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ
توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح
شرح
الخميس ووجوهكم مصفرة ، ثم تصبحون يوم الجمعة ووجوهكم محمرة ، ثم تصبحون يوم السبت ووجوهكم مسودة ، ثم يصبحكم العذاب أول يوم الأحد . فكان الأمر كما وصف نبيهم عليه الصلاة والسّلام فلما كانت ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم مع من أسلم معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم إلى الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب . فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صائح وصوت كل شيء له صوت فتقطعت قلوبهم في صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك كما قال اللّه تعالى :فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَفإن قيل : إن من شاهد خروج الناقة من الصخرة وشاهد أيضا أن الماء الذي كان شربا لكل أولئك القوم في أحد اليومين كان شربا لتلك الناقة الواحدة وشاهد أيضا أن القوم يملأون جميع أوانيهم بلبنها فيشربون ويدخرون ما فضل عن حاجتهم وشاهد مع جميع ذلك علامات نزول العذاب الشديد في آخر الأمر وكل واحدة منها معجزة قاهرة تلجىء المكلف إلى الإيمان فهل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصرا على كفره ؟ فالجواب أن يقال : إنهم قبل أن شاهدوا نزول العذاب كانوا مصرين على الكفر والتكذيب كسائر من أصر على الكفر بعد مشاهدة المعجزات الباهرة وأما بعد ما شاهدوا علامات نزول العذاب فقد خرجوا عند ذلك عن التكليف فلم تكن توبتهم مقبولة بعد ذلك . قوله : ( ظاهره أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين ) لأن فاء التعقيب تدل على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم . ولما ورد أن يقال قوله لهم :يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْالآية خطاب مع أولئك وخطاب الأموات لا يجوز . أجاب عنه بجوابين : الأول أن صالحا عليه الصلاة والسّلام خاطبهم بعد كونهم جاثمين كما خاطب نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قتلى بدر فقيل له عليه الصلاة والسّلام : أتتكلم مع هؤلاء الجيف ؟ فقال : « ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب » . والثاني أن الرجل قد يخاطب صاحبه وهو ميت ويقول له : يا أخي قد نصحتك وبذلت جهدي في إرشادك فلم تقبل نصيحتي ولم تمتنع عما كنت فيه حتى ألقيت نفسك في الهلاك . وفائدة مثل هذا الكلام تسلية قلبه عما طرأ عليه من التحير والاحتراق ببلية