أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك . فأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلت ذلك لتؤمننّ ؟ فقالوا : نعم . فصلى ودعا ربه فتمخّضت الصخرة تمخّض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا وهم ينظرون ، ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع في جماعة ومنع الباقين من الإيمان ذواب بن عمرو والخبّاب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم . فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غبثا فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ماء فيها ثم تتفحج فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم فيشربون ويدّخرون . وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره ، فشق ذلك عليهم وزيّنت عقرها لهم عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقيها جبلا اسمه فارة فرغا ثلاثا فقال لهم صالح : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب . فلم يقدروا عليه إذ انفجّت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح :
تصبح وجوهكم غدا مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ثم يصبحكم العذاب .
فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه اللّه إلى أرض فلسطين . ولما كان ضحوة اليوم الرابع تحنّطوا وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا .
شرح
طغيانهم . قوله : ( ناقة مخترجة جوفاء وبراء ) في الكشاف المخترجة التي شاكلت البخت .
وفي الأساس ناقة مخترجة إذا أخرجت على خلقة الجمل من اخترجه بمعنى استخرجه ، والجوفاء واسعة الجوف ، والوبراء الكثيرة الوبر ، والعشراء الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم المخاض . والمخاض الحوامل من النوق واحدتها خلفة ويقال للفصيل إذا استكمل الحول ودخل في الثانية ابن مخاض ، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع وبعد ما تضع أيضا . وقوله : « فتمخضت الصخرة » أي تحركت . والنتوج الناقة التي أدركت الوقت الذي تنتج فيه ، والغب أن ترد الإبل الماء يوما وتدعه يوما . وقوله : « ثم تتفحج » أي تفرج ما بين رجليها بتقديم الحاء على الجيم يقال : أفحج الرجل أحلوبته إذا فرج ما بين رجليها ليحلبها . وكانت تصيف أي تقيم بالصيف من قولهم : صاف بالمكان أي أقام به الصيف . وشتوت بموضع كذا أي أقمت به في الشتاء . قوله : ( فرغا ) أي صوت وضج .
يقال : رغا البعير يرغو رغوا إذا ضج والرغاء صوت ذوات الخف .
قوله : ( إذ انفجت الصخرة ) أي انفتحت من الفج وهو الطريق الواسع بين الجبلين يقال : فججت ما بين رجلي أفجه فجا إذا فتحت . فلما انفجت الصخرة فدخلها السقب بعد ما رغا ثلاثا . قال صالح عليه الصلاة والسّلام : لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب . وقد عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح : تصبحون غداة يوم