وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة للّه بلا كيف . والمعنى إن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزّها عن الاستقرار والتمكن . والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه . وقيل : الملك .
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
يغطّيه ولم يذكر عكسه للعلم به أو لأن اللفظ يحتملهما .
ولذلك قرىء « يغشى الليل النهار » بنصب الليل ورفع النهار . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد فيه ، وفي الرعد للدلالة على التكرير
يَطْلُبُهُ
شرح
[ البقرة : 29 ] أي عمد إلى خلق السماء وأن لكل شيء نهاية وكمالا فإذا بلغ حد الكمال قيل استوى ، ومنه استواء الشمس واستواء الميزان . فمعنى الآية على هذا خلق السماوات والأرض واستقر الخلق على العرش واستتم به وما خلق فوقه شيئا آخر ويرجع ضمير « استوى » على الخلق المدلول عليه بقوله : « خلق » أي ثم استوى خلقه على العرش وانتهى عنده . قوله : ( وقيل الملك ) يقال : ذهب عرش فلان أي زال ملكه . وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك أي ما استوى الملك إلا له عز وجل . قوله : ( يغطيه به ) أي يغطي النهار بالليل بأن يأتي الليل على النهار ويغطيه بظلمته لأنك إذا قلت : غشي الليل النهار كان غشي ثلاثا متعديا إلى واحد وكان المعنى صار الليل ساترا للنهار ، فإن قراءة الجمهور « يغشي » بضم الياء وسكون الغين وتخفيف الشين من « أغشى » فإذا نقلته إلى باب الأفعال صار متعديا إلى اثنين وصار الفاعل مفعولا فصار الليل فاعلا معنى والنهار مفعولا لفظا ومعنى . وذلك لأن المفعولين في هذا الباب متى صلح أن يكون واحد منهما فاعلا ومفعولا في المعنى وجب تقديم الفاعل معنى لئلا يلتبس المراد نحو : أعطيت زيدا عمرا وأما إذا لم يلتبس المراد كما في نحو : أعطيت زيدا درهما فحينئذ يجوز الأمران وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين نحو : ضرب موسى عيسى وضرب زيد عمرا . والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا فوجب جعل الليل فاعلا معنى والنهار مفعولا لفظا ومعنى . وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه القواعد النحوية إلا أن المصنف وصاحب الكشاف جعلا يغشى الليل النهار يحتمل أن يكون الليل غاشيا للنهار وأن يكون النهار غاشيا لليل . وقال الإمام : قوله :يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَيحتمل أن يكون المراد يلحق الليل النهار والنهار الليل واللفظ يحتملهما معا وليس فيه تعيين . والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس « يغشى الليل النهار » بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار أي يدرك النهار الليل ويطلبه إلى هنا عبارة الإمام . وفيه بحث وهو أن اللفظ لا يراد به مجموع المعنيين وإنما يحتملهما على البدل فأي المعنيين يراد به يكون المعنى الآخر غير مذكور ، ويحتاج إلى أن