حَثِيثاً
يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شيء . والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثا أو المفعول بمعنى محثوثا .
شرح
يجعل الكلام من قبيلسَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ[ النحل : 81 ] فكما لم يذكر البرد فيه للعلم به فكذا لم يذكر هنا ويغشى النهار الليل اختصارا للعلم به وإن لم يذكر . وقال سعد الملة التفتازاني : في بيان كون اللفظ محتملا لهما يعني أن لفظ يغشى الليل النهار يحتمل معنى جعل الليل لاحقا بالنهار بأن يحمل على تقديم المفعول الثاني وهو الليل من قبيل غشيته الثوب ومعنى جعل النهار لاحقا بالليل بأن يكون المفعول الثاني هو النهار . وفيه بحث لأن جعل الليل لاحقا بالنهار يقتضي أن يكون الليل مفعولا أولا فكيف يجعله مفعولا ثانيا ؟
ويجعله من قبيل غشيته الثوب فإن اللاحق هو المفعول الأول وإن أخر لفظا والملحق به هو الثاني وإن قدم لفظا كما في غشيته الثوب أي جعلته مستورا به وما نحن فيه من قبيل يغشى الثوب زيدا .
قوله : ( يعقبه سريعا ) إشارة إلى أن قوله :يَطْلُبُهُاستعارة تبعية فإن حال كل واحد منهما مع الآخر لو كان ممن يكون منه الطلب لكان طلبا فلشبهه بالطلب سمي طلبا شبه مجيء أحدهما عقيب الآخر بلا فصل بطلبه والحث الإعجال يقال : حثثت فلانا فأحث فهو حثيث ومحثوث أي مجد سريع ويستعمل الحث غالبا في الحمل على الشيء كالحض عليه فالحض والحث أخوان . وفي الصحاح : حثه على الشيء أي حضه عليه وولي حثيثا أي مسرعا . وقوله تعالى :يَطْلُبُهُحال من الليل لأنه هو المحدث عنه أي يغشى النهار طالبا له ويجوز أن يكون حالا من النهار أي مطلوبا فقوله :حَثِيثاًإن جعل حالا من فاعل يطلبه أو من مفعوله يكون من قبيل الأحوال المتداخلة . ووجه اتصال قوله تعالى :يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَبما قبله أنه تعالى لما ذكر استواءه على العرش وهو إخبار عن نفاذ أمره وكمال ملكه واطراد تدبيره بيّن ذلك عينا بأن أراهم إياه فيما يشاهدونه من آثار ملكه وتصرفه لينضم العيان إلى الخبر ويتضح المقصود كمال الاتضاح جعل اللّه تعالى تعاقب الليل والنهار إلى آخر مدة الدنيا بحيث لو انقطعت الحركات المتعاقبة المتواصلة لا تنتقض انتظام العالم . ثم إنه تعالى وصف هذ الحركة بالسرعة والشدة لأنها إنما تحصل بحركة الفلك الأعظم فتلك الحركة أشد الحركات سرعة وأكملها شدة حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات قالوا : الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل فبين أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل .
فلا جرم فيكون التعاقب المتفرع على مثل هذه الحركة الشديدة في غاية السرعة فلهذا السبب قال تعالى :يَطْلُبُهُ حَثِيثاًثم اعلم أن الشمس لها نوعان من الحركة : أحدهما حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة وبسبب هذه الحركة تحصل السنة والنوع الثاني