شرح
في تأويله على التفصيل . وفي تأويل الآية قولان ملخصان أشار المصنف إليهما بقوله :
« استوى أمره أو استولى » أي استقر وجرى حيث شاء وكما يشاء . وتوضيح الأول ما ذكره القفال وهو أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك يقال : ثل عرشه أي انتقض ملكه وفسد ، وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا : استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه ، وهذا نظير قولهم للرجل الطويل : فلان طويل النجاد وللرجل الذي تكثر أضيافه : كثير الرماد . وليس المراد من مثل هذه الألفاظ ظاهر معناها وإنما المراد تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا في الآية المراد من الاستواء على العرش نفاذ القدرة في مصنوعاته على حسب إرادته ومشيئته وجريان أمره وتدبيره فيها وهو قول المصنف . ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام . فمحصول الآية أنه تعالى أخبر أن خلق السماوات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ومدافع ، ثم أخبر أنه بعد أن خلقهما استوى على الملك والتصرف كيف شاء ويدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في سورة يونس :إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ[ يونس : 3 ] فإن قوله :يُدَبِّرُ الْأَمْرَأجري مجرى التفسير لقوله :اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ[ الفرقان : 59 ؛ السجدة : 4 ؛ الحديد : 4 ] وقال في هذه الآيةثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاًالآية وهذا يدل على أن قوله :ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ[ الفرقان : 59 ؛ السجدة : 4 ؛ الحديد : 4 ] إشارة إلى ما ذكرناه . فإن قيل : إذا حملتم قوله تعالى :ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِعلى أن المراد استوى على الملك وجب أن يقال : لم يكن اللّه تعالى مستويا على الملك قبل خلق السماوات والأرض ؟ أجيب بأنه تعالى كان قبل خلق العالم قادرا على تخليقهما وتكوينهما لا أنه كان مكونا وموجدا لهما بأعيانهما فضلا عن أن يكون مدبرا ومتصرفا فيهما لأن التصرف في الشيء إنما يتأتى بعد تكوينه فاستواؤه تعالى على الملك وظهور تصرفه في هذه الأشياء إنما يكون بعد خلقها .
قوله : ( أو استولى ) أي ويحتمل أن يكون « استوى » بمعنى استولى كما في قوله : قد استوى بشر على العراق ، أي استولى عليه وملكه . فمحصول الآية أنه تعالى خالق السماوات والأرض ومالك العرش . وقال الإمام الواحدي في الوسيط : قوله تعالى :ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِأي أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك بعد خلق السماوات والأرض ، وهذا قول الفراء وأبي العباس المبرد والزجاج . انتهى . ويؤيده قوله تعالى :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ