ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
استوى أمره أو استولى .
شرح
قوله : ( استوى أمره ) أصل الاستواء في اللغة المساواة قال اللّه تعالى :هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ الزمر : 9 ] يقال : سويته فاستوى ويقال : استوى من اعوجاج واستوى الشيء أي اعتدل ، وفلان سوى الخلق أي مستو معتدل . والاسم منه السواء وهو العدل والاستواء بهذا المعنى لا يتعدى ب « على » ولذا يستحيل في حقه تعالى . ويقال بمعنى العلو والاستقرار نحو استوى على ظهر دابته أي استقر وتمكن عليه ، وبمعنى القصد إلى الشيء نحو : استوى إلى السماء أي قصد وتوجه إليه وبمعنى الاستيلاء والظهور كما في قول الشاعر :قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراقواستوى الرجل إذا انتهى شبابه . والعرش تارة يطلق على سرير الملك قال تعالى :نَكِّرُوا لَها عَرْشَها[ النمل : 41 ]وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ[ يوسف : 100 ] وتارة على العز والسلطنة . قال الشاعر :إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم * بربيعة بن الحارث بن شهابيقال : ذهب عرش فلان أي ذهب عزه وملكه . ويطلق أيضا على كل ما علا فأظل ومنه عرش الكروم . ولما استحال حمل الاستواء على التمكن والاستقرار وهو شغل المكان والحيز بالجلوس فيه ، وتفسير العرش بالسرير وتجويز الانتقال على اللّه تعالى كما يقوله المشبهة لتعاضد الأدلة العقلية والنقلية على أنه تعالى منزه عن سمات الحدوث والإمكان فإنه ليس كمثله شيء لتفرده بعلو الشأن ، ذهب العلماء في حق هذه الآية إلى قولين ؛ الأول القول : بأنّا نقطع بأنه تعالى منزه عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى اللّه تعالى وهذا القول هو المختار عند أهل السنة فإنهم قالوا :
الاستواء على العرش صفة اللّه تعالى بلا كيف فيجب على الرجل الإيمان به وأن يكل العلم بكيفية الاستواء إلى اللّه عز وجل . روي أن رجلا سأل مالك بن أنس عن قوله تعالى :الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] فأطرق رأسه مليا أي زمانا طويلا وعلاه الرحضاء ثم قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب وإجراؤه على ظاهره بدعة وتأويله على وفق الأصول المحكمة لازم فنخوض في تأويله على التفصيل والسؤال عنه بدعة ، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج . وسئل بعض الأكابر أيضا عن تأويله فقال :
تأويله الإيمان به . والقول الثاني قول من قال : إن ظاهر الآية متشابه وحمل المتشابه على المحكم واجب وإجراؤه على ظاهره بدعة وتأويله على وفق الأصول المحكمة لازم فنخوض