بِالْحَقِّ
فاهتدينا بإرشادهم . يقولون ذلك اغتباطا وتبجحا بأن ما علموه يقينا في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة .
وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ
إذا رأوها من بعيد أو بعد دخولها والمنادى له بالذات
أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 43 ) أعطيتموها بسبب أعمالكم وهو حال من
« الْجَنَّةُ »
والعامل فيها معنى الإشارة أو خبر و
« الْجَنَّةُ »
صفة
« تِلْكُمُ »
و
« أَنْ »
في المواضع الخمسة هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول .
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما
شرح
قوله بالحق يجوز أن تكون للتعدية وأن تكون للحال أي جاؤوا ملتبسين بالحق يقوله أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا واستقروا فيه والاغتباط والتبجح واحد وهو القرح والسرور .
قوله : ( إذا رأوها من بعيد ) يعني ناداهم الملائكة بهذا القول وهو أن تلك التي رأيتموها الجنة التي وعدتم بها في الدنيا على أن تلك مبتدأ أشير بها إلى ما رأوه من بعيد والجنة خبره واللام فيها للبعد . قوله : ( أو بعد دخولها ) فيكون « تلكم الجنة » خبر مبتدأ محذوف أي هذه تلكم التي وعدتم بها في الدنيا . ولما كانت الإشارة إلى الجنة الموعود بها في الدنيا كان المشار إليه غائبا بعيدا فصحت الإشارة إليه بلفظ « تلك » . ويجوز أن يكون « تلكم الجنة » مبتدأ حذف خبره أي تلكم الجنة التي أخبرتم عنها ووعدتم بها هي هذه . وعلى التقديرين فالمنادى له بحسب الظاهر هو قول المنادى وهو الملائكة أو اللّه تعالى « تلكم الجنة » إلا أن المنادى له بالذات . والقصد الأصلي هو قوله :أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَفإن أهل الجنة لما ذكروا ما أنعم اللّه به عليهم من هدايته إياهم إلى ما يؤديهم إلى هذه السعادة العظمى أثنى اللّه تعالى أو الملائكة عليهم بحسن إطاعتهم لربهم بأن ذكر أنهم ورثوها بأعمالهم . فإن قيل : هذه الآية تدل على أن العبد يدخل الجنة بعمله وقد قال عليه الصلاة والسّلام : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله وإنما تدخلونها برحمة اللّه تعالى وفضله » فما وجه التوفيق بينهما ؟ فالجواب أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته وإنما يوجبه من حيث إن اللّه تعالى جعله بفضله علامة عليه ووعد بذلك في مقابلته أيضا ولما كان الموفق للعمل الصالح هو اللّه تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل اللّه تعالى . قوله : ( وأن في المواضع الخمسة ) من قوله :وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُإلى قوله :وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا[ الأعراف : 50 ] فكلمة « أن » في جميعها يحتمل أن تكون تفسيرية للمنادى له لأن كل واحد من النداء والتأذين في معنى القول . والتأذين في اللغة النداء والتصويت للإعلام و « أن » تكون