بين الجنة والنار حتى يقضي اللّه فيهم ما يشاء . وقيل : قوم علت درجاتهم كالأنبياء أو الشهداء أو خيار المؤمنين وعلمائهم أو ملائكة يرون في صورة الرجال .
يَعْرِفُونَ كُلًّا
من أهل الجنة والنار
بِسِيماهُمْ
بعلامتهم التي أعلمهم اللّه بها كبياض الوجه وسواده
شرح
فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا : ربنا أتمم لنا نورنا وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع النور من بين أيديهم ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا بها فبقى في قلوبهم الطمع إذ لم ينزع النور من أيديهم ، فذلك قوله تعالى :لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ[ الأعراف : 46 ] . وقال مجاهد : أصحاب الأعراف أقوام رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم فلم يدخلهم اللّه الجنة لأن آباءهم أو أمهاتهم غير راضين عنهم فلم يدخلهم اللّه الجنة . كذا في التيسير . ثم ادخلوا الجنة بعد ذلك وكانوا آخر أهل الجنة دخولا .
قوله : ( وقيل قوم علت درجاتهم ) أي قيل : ليس المراد بالرجال المستقرين على الأعراف الموحدين الذين قصروا في العمل بل المراد بهم الأشراف من أهل الطاعة وأهل الثواب . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ؛ فقال بعضهم : إنهم الأنبياء أجلسهم اللّه تعالى على أعالي ذلك السور تمييزا لهم عن سائر أهل القيامة ليكونوا مشرفين على أهل الجنة وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم . وقال بعضهم : هم الشهداء الذين خرجوا إلى الغزو وغزوا في سبيل اللّه بغير إذن آبائهم فقتلوا شهداء فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل اللّه وحبسوا عن الجنة بعصيانهم آباءهم . روي أنه عليه الصلاة والسّلام سئل عن أصحاب الأعراف فقال : « هم ناس قتلوا في سبيل اللّه منعهم الجنة معصيتهم آباءهم ومنعهم النار قتلهم في سبيل اللّه » . والظاهر أن هؤلاء الشهداء من الذين ساوت حسناتهم سيئاتهم فلا يدخلون تحت أقوام علت درجاتهم . فمراد المصنف من الشهداء ليس مثل هؤلاء الشهداء بل مراده بالشهداء هم الذين تميزوا من بين جميع أهل القيامة بالاستحقاق لمزيد التعظيم والإجلاس على المنازل العالية والأماكن المرتفعة ليشاهدوا حكم اللّه تعالى في أهل الموقف بمقتضى الفضل والعدل . وقال بعضهم : هم الملائكة الموكلون بأعالي هذه السور يميزون المؤمنين من الكفار قبل إدخالهم الجنة والنار . واسم الرجال وإن كان في الأظهر لذكور بني آدم فغير بعيد أن يطلق على الملائكة الذين يرون في صورة الرجال كما أطلق على الجن في قوله تعالى :وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ[ الجن : 6 ] فإنهم سموا رجالا لكونه في صورة الرجال ، فإن قيل : هذه الوجوه باطلة لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعرافلَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَأي وهم يطمعون في دخولها ، وهذا الوصف لا يليق بالملائكة والأنبياء والشهداء . والجواب أن غاية ما في الباب أن يتأخر دخولهم الجنة وذلك لا ينافي كونهم أشراف أهل الموقف فإنه يجوز أن يميزهم اللّه تعالى من أهل الجنة وأهل النار