الآباء والافتراء على اللّه ، فأعرض عن الأوّل لظهور فساده وردّ الثاني بقوله :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
لأن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال ولا دلالة فيه على أن قبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلا عقلي ، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم . وقيل : هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها : لم فعلتم ؟ فقالوا : وجدنا عليها آباءنا . فقيل :
ومن أين أخذ آباؤكم ؟ فقالوا : اللّه أمرنا بها . وعلى الوجهين يمنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقا .
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 28 ) إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على اللّه .
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
بالعدل وهو الوسط من كل أمر المتجافي طرفي الإفراط والتفريط .
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها أو
شرح
للعقول المستقيمة ولا نزاع بيننا وبينكم في القبح بالمعنى الثاني . وإنما النزاع في القبح بالمعنى الأول والقبح بهذا المعنى يثبت بحكم العقل عند المعتزلة وعندنا لا يثبت إلا بالشرع ولا دلالة في الآية على كونه عقليا سواء ورد الشرع أم لا . قوله : ( لظهور فساده ) فإن التقليد لو كان طريقا للعلم للزم حقية الأديان والمذاهب المتناقضة المبنية على تقليد الأسلاف .
قوله : ( وقيل هما جوابا سؤالين ) أي ليس كل واحد منهما جوابا واحتجاجا على صحة ارتكاب آبائهم إياها بل الأول احتجاج عليه ، والثاني احتجاج على صحة ارتكاب آبائهم إياها جعل اللّه تعالى قولهم واللّه أمرنا بها حكما بما لا يعلمون لانتفاء طريق علمهم بذلك لأن طريق العلم بذلك منحصر في أمرين : أحدهما أن يسمعوا من اللّه تعالى ابتداء من غير توسط رسول يبلغهم أنه تعالى أمرهم بذلك ، وثانيهما أن يعرفوا ذلك بواسطة الأنبياء وأصحاب الوحي الإلهي وكل واحد من الأمرين منتف في حقهم . أما انتفاء الأول فظاهر ، وأما انتفاء الثاني فلأنهم ينكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق فإن هذه المناظرة مع كفار قريش وهم كانوا منكرين لأصل النبوة وإذا كان كذلك فلا طريق لهم إلى العلم بأحكام اللّه تعالى فكان قولهم :
« واللّه أمرنا بها » قولا على اللّه بما لا يعلمون وإنه باطل . قوله تعالى :( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ )ليس عطفا على قوله :« أَمَرَ رَبِّي »وإلا لزم عطف الإنشاء على الإخبار بل هو معطوف على أمر بتقدير : قل أي وقل أقيموا . والمراد بالسجود الصلاة بطريق ذكر الجزء وإرادة الكل فكأنه قيل : في وقت كل صلاة أو في كل مكان صلاة . قوله : ( وتوجهوا إلى عبادته ) كون إقامة الوجه عبارة عن التوجه بالاستقامة ظاهر ، وأما كون المتوجه إليه هو العبادة فهو مستفاد من قوله عند كل مسجد لأن التوجه بالاستقامة في كل وقت صلاة أو مكانها لا يسبق إلى الفهم منه بهذه العبارة سوى التوجه إلى الصلاة وما يتوقف أداؤها عليه واللفظ الجامع لها هو لفظ