قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ
أحضروهم ، وهو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز .
وفعل يؤنث ويجمع عند بني تميم وأصله عند البصريين « ها لمّ لمّ » إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل . وعند الكوفيين « هل أمّ » فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام ، وهو بعيد لأن « هل » لا تدخل الأمر ويكون متعديا كما في الآية ولازما كقوله :
هَلُمَّ إِلَيْنا
[ الأحزاب : 18 ]
الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا
يعني قدوتهم فيه استحضرهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك
شرح
الخير والشر وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم ، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات وإن شئتم ذهبتم إلى عمل المعاصي والمنكرات أي ذهبتم إلى اكتسابها لا إلى إيجادها . فإن المراد قدرة الكسب لا الإيجاد وهذه القدرة الممكنة معلومة الثبوت بالضرورة وكذا زوال الموانع والعوائق معلوم كذلك . وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على اللّه حجة بل للّه الحجة البالغة عليكم . قال الزجاج : حجته البالغة تبيينه أنه الواحد وإرساله الأنبياء بالحجج التي تعجز عنها الخلائق أجمعون ، والوجه الثاني أنكم تقولون لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة اللّه تعالى لكنا قد غلبنا اللّه وقهرناه وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا ، وذلك يقدح في كونه آلها . فأجاب تعالى عنه بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم يكن قادرا على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء وهو قادر على ذلك حيث قال :وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَإلا أنه لا يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف . أقول واحتج أهل السنة بقوله تعالى :وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَعلى أن الكل بمشيئة اللّه تعالى لأن كلمة « لو » في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم وما هداهم أيضا فهي حجة دامغة لنا على المعتزلة .
قوله : ( وهو اسم فعل ) أي بمعنى أحضروا وهاتوا وقربوا و « شهداءكم » مفعول به فإن اسم الفاعل يعمل عمل مسماه متعديا كان أو لازما و « هلم » فيها لغتان : لغة الحجازيين ولغة التميميين ، فعند الحجازيين يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع نحو : هلم يا زيد يا زيدان يا زيدون يا هند يا هندان يا هندات ، وعند بني تميم تلحقها الضمائر كما تلحق سائر الأفعال فتذكر وتؤنث وتجمع فيقال : هلم هلما هلموا هلمي هلمن . وجمهور البصريين على أنها مركبة من هاء التنبيه ومن الميم أمرا من : لمم يلمم فلما ركبتا حذفت ألفها لكثرة الاستعمال أو لالتقاء الساكنين تقديرا بناء على أن حركة اللام عارضة وإنما ضمت بنقل حركة الميم إليها للإدغام فكان كل واحد من ألفها واللام ساكنا وسقطت همزة الوصل للاستغناء