تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
ذلك مشيئة ارتضاء كقوله :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] لما فعلنا نحن ولا آباؤنا أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند اللّه لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة اللّه إياها منهم حتى ينهض ذمّهم به دليلا للمعتزلة . ويؤيد ذلك قوله :
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي مثل هذا التكذيب لك في أن
شرح
قوله : ( أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع ) جواب عن استدلال المعتزلة بهذه الآية على ما ذهبوا إليه من أنه تعالى لا يزيد إلا ما أمر به من الإيمان والطاعة ووجه استدلالهم أنه تعالى حكى عنهم أنهم سيعتذرون في إشراكهم وتحريمهم ما أحل اللّه لهم بأن يقولوا إنما أشركنا وحرمنا ذلك بمشيئة اللّه تعالى وإرادته منا ذلك ولولا مشيئته لم يقع شيء من ذلك . وهذا الذي حكاه عنهم هو عين ما ذهب إليه أهل السنة . ولما حكى اللّه تعالى ذلك عنهم على سبيل الذم والتقبيح ثبت بطلانه فإنه تعالى لا يريد من المكلف إلا الإيمان والطاعة . وتقرير الجواب أن مدخول كلمة « لو » ليس مشيئة عدم الإشراك والتحريم حتى يكون محصول كلامهم إنما أشركنا وحرمنا لتعلق مشيئة اللّه تعالى بذلك فيذمهم اللّه تعالى ويقبح منهم هذا الكلام وتكون الآية دليلا لهم علينا ، بل مدخولها هو المشيئة مع الرضى وذلك لأن مقصود القوم بيان أنهم على الحق المرضى عند اللّه وهذا المقصود إنما يتم بذلك كأنهم قالوا : لو شاء اللّه عدم إشراكنا ورضي به لتحقق ذلك العدم ولما لم يتحقق ذلك العدم علمنا أنه تعالى لم يشأ ولم يرض عدم إشراكنا فكان إشراكنا مرضيا مرادا له تعالى . وذلك لأن كلمة « لو » لانتفاء المشيئة لانتفاء مدخولها ومدخولها ههنا مجموع الأمرين المشيئة والرضى ، وانتفاء المجموع لا يستلزم انتفاء كل واحد منهما فيجوز أن ينتفي الرضى وتوجد المشيئة ويكون مراد القوم بقولهم لكن أشركنا لانتفاء مشيئة الارتضاء لكن أشركنا لانتفاء أحد شرطي عدم إشراكنا وهو الرضى به ، وإن تحقق الشرط الآخر وهو تعلق المشيئة به فعلى هذا يتعلق الذم والتقبيح بزعمهم أنه تعالى لم يرض بعدم إشراكهم وتحريمهم فإنه باطل لأنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر والفسوق . قوله : ( كقوله فلو شاء لهداكم أجمعين ) تشبيه لكون مدخول كلمة « لو » مشيئة الارتضاء وانتفاؤها لا يستلزم انتفاء كل واحد من المشيئة والرضى ، فإن المنتفى فيه هو المشيئة فقط دون الرضى فإن هداية الجميع مرضية وإن لم يتعلق بها المشيئة . فقول المصنف « مشيئة ارتضاء » وإن أمكن حمله على أن المشيئة مجاز عن الرضى وكان هذا الحمل كافيا في غرضه إلا أنه لا يوافقه قوله : « كقوله ولو شاء لهداكم » لأن المشيئة فيه ليست بمعنى الرضى . قوله : ( ويؤيد ذلك ) أي يؤيد كون مرادهم بذلك القول بيان أنهم على الحق دون الاعتذار ووجه التأييد أن قولهم :لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنالو أريد به الاعتذار لما كان تكذيبا عليه الصلاة والسّلام وإنما يكون تكذيبا إذا كان معناه إنّا إنما أشركنا وحرمنا لكون ذلك مشروعا