وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
كل ما له أصبع كالإبل والسباع
شرح
ثم بيّن في سورة البقرة وهي سورة مدنية أيضا أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة فقال :إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِوكلمة إنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لقوله :قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماًإلا كذا وكذا في الآية المكية فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على انحصار المحرمات في هذه الأربعة . فإن قيل : هذا الحصر يقتضي تحليل النجاسات والمستقذرات مع أنها محرمة لقوله تعالى في آية أخرىوَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَفإنه يقتضي تحريم كل الخبائث والنجاسات ويقتضي أيضا تحليل الخمر والمنخنقة ونحوهما مع أنها محرمة بالآيات المدنية فالآيات المحرمة لهذه الأشياء تكون ناسخة للآية الدالة على انحصار المحرمات في تلك الأربعة وبعدما كانت منسوخة لا تبقى دليلا على حل ما عدا تلك الأشياء الأربعة ، وكونها منسوخة ينافي ما يدل عليه توافق الآيات المكية والمدنية من انحصار المحرمات في هذه الأربعة واستقرار الشريعة على ذلك الانحصار . والجواب أن الآية الدالة على حرمة الخبائث والنجاسات وعلى حرمة المنخنقة ونحوها ليست ناسخة لهذه الآية الدالة على الانحصار لأن قوله تعالى في هذه الآية :أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌيدل على أن حرمة لحم الخنزير معللة بكونه رجسا نجسا فهذا يقتضي أن تكون النجاسة علة لتحريم الأكل فوجب أن يكون كل نجس محرما أكله فلا ينافي تلك الآية ، وكذا لا ينافيها آية المنخنقة وما بعدها لأن جميعها داخل تحت الميتة المحرمة بهذه الآية ، ولا تنافيها الآية المحرمة للخمر أيضا لأنه تعالى قال في حقها إنها رجس من عمل الشيطان فتدخل تحت قوله :فَإِنَّهُ رِجْسٌولا تنافيها الآية المحرمة للربا ونحوه أيضا لأن تلك الآية تخصيص عموم هذه الآية كأنه قيل : الذي أجده فيما أوحي إليّ هي هذه الأربعة وما عداها محللة إلا ما ورد النص على تحريمه . فإن حاصل قولنا : لا محرم سوى الأربعة هو أن ما عداها ليست بمحرمة فإثبات محرمات أخر تخصيص له لا نسخ ويجوز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد والجمع . ثم إنه تعالى بيّن بقوله :وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍالآية أنه حرم على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة وهي نوعان : الأول أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر والثاني ما ذكره بقوله :وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما .قوله : ( كل ما له أصبع ) وذوات الأظلاف وهي : البقر والغنم والظباء لا أصبع لها فهي محللة لهم سواء كان ما بين أصابعه منفرجا كأنواع السباع والكلاب والسنانير أو لم يكن منفرجا كالإبل والنعام والأوز والبط . وعن عبد اللّه بن مسلم أنه قال : ذو الظفر كل