إلى تلك الغاية محرما غير هذه وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء غيرها إلا مع الاستصحاب .
شرح
تحريمه على الحل الأصلي فيحكم على حله بالاستصحاب وهو الحكم بثبوت الشيء في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول . يعني قد تقرر أنه لا طريق إلى معرفة الحل والحرمة إلا أن أوحي اللّه تعالى إلى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم إنه تعالى لما أمره أن يقول لا أجد فيما أوحي إليّ محرما إلا هذه الأربعة التي أولها الميتة وثانيها الدم المسفوح وثالثها لحم الخنزير ورابعها الفسق ، وهو الذي أهل به لغير اللّه ثبت أنه لا محرم إلا هذه الأربعة . ومن المعلوم أن من المطعومات أمورا محرمة غير هذه الأربعة ثبتت حرمة بعضها بالكتاب كالخمر والربا الحاصل في معاوضة المطعومات وكالخبائث قال تعالى :وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ[ الأعراف : 157 ] أي المستقذرات والنجاسات كالمنخنقةوَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ[ المائدة : 3 ] وحرمة بعضها بالسنة كحرمة أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ، فإن حرمتهما ثبتت بنهيه عليه الصلاة والسّلام عن أكلهما فإن كانت النصوص المحرمة لهذه المذكورات ناسخة لحكم هذه الآية وهو انحصار المحرم من المطعومات في هذه الأربعة لزم القول بكون خبر الواحد ناسخا للكتاب وهو لا يجوز لأن القاطع لا يدفع بالظن فوجب أن يقال : إن قوله تعالى :لا أَجِدُللحال فيكون مدلول الآية بيان انحصار المحرمات في وقت الإخبار فيما ذكر من الأمور الأربعة فيكون ما بقي من تلك الأمور باقيا على الإباحة الأصلية في ذلك الوقت فيكون تحريم ذوات الأنياب والمخالب من السباع بعد ذلك الوقت رفعا للحكم الأصلي لا للحكم الشرعي . واعلم أن هذه السورة مكية فبيّن اللّه في هذه السورة المكية أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة ثم أكّد هذا بأن قال في سورة النحل :إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ النحل : 115 ] وكلمة إنما تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان تدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة . ثم ذكر تعالى في سورة المائدة وهي سورة مدنيةأُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ[ المائدة : 1 ] وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله :إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْهو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل وهو قوله :حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِثم قال :وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْوهذه الأشياء أقسام الميتة ، إلا أنه تعالى أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل .