لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه . وإليه أشار عليه الصلاة والسّلام حين سئل عنه فقال : « نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح » فقالوا : هل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : « نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله » .
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
بحيث ينبو عن قبول
شرح
تفسير لقوله : « فيتسع له » أي يفسح في الصدر موضع حولان الإسلام . يقال : فسح المكان أي اتسع ويقال : شرح اللّه صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول الخير فتوسع ، وقيل : الشرح الفتح والشرح البيان أيضا . ولما امتنع أن يحمل توسيع الصدر على المعنى الحقيقي جعله المصنف كناية عن جعل النفس قابلة مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه . وتوضيحه أن قدرة العبد صالحة للضدين لا يترجح أحد الضدين على الآخر بمجرد تلك القدرة وإلا لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح فلا بد أن يحصل في القلب داعية يميل القلب بسببها إلى أحد الطرفين وتلك الداعية لا معنى لها إلا العلم أو الظن يكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة . فإذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك المعنى إلى فعل ذلك الشيء وإن حصل في القلب العلم أو الظن بأن ذلك الفعل مشتمل على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه . وقد ثبت بالدليل أن حصول هذا الداعي لا بد أن يكون من اللّه تعالى وإلا لزم التسلسل وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل .
إذا ثبت هذا فنقول : يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلا إذا خلق اللّه في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب إلى الإيمان وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله وهذا هو انشراح الصدر للإيمان بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مثلا . وإذا حصل في القلب أنه سبب للمفسدة العظيمة في الدين والدنيا وأنه يوجب المضار الكثيرة فعند هذا ينفر القلب عنه نفرة شديدة ، وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقا حرجا . فصار تقدير الآية من أراد اللّه منه الإيمان قوى صوارفه عن الكفر ودواعيه إلى الإيمان وجعل قلبه قابلا لحلول الإيمان مهيأ لتحليه به صافيا خاليا عما يمنعه وينافيه ، ومن أراد منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان وقوى دواعيه إلى الكفر . قوله : ( وإليه أشار عليه الصلاة والسّلام حين سئل عنه ) قيل : لما نزلت هذه الآية سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن قيل له : كيف يشرح اللّه الصدر ؟ فقال عليه الصلاة والسّلام : « يقذف نورا فيه حتى ينفسخ وينشرح » . فقيل له : هل لذلك من أمارة ؟ الخ ووجه كونه إشارة إلى ما ذكر من أن شرح الصدر كناية عن تقوية الدواعي وتهيئة القلب لقبول الإيمان وحلوله فيه أنه عليه الصلاة والسّلام عبّر عما خلقه اللّه تعالى في القلب من اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة بالنور المقذوف في القلب وجعل النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة أمارة لخلق