الحلال ويحلون الحرام . والمعنى كلوا مما ذكر اسم اللّه على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه .
إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ
( 118 ) فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحله اللّه واجتناب ما حرمه .
وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
وأيّ غرض لكم في أن تتحرجوا عن أكله وما يمنعكم عنه .
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
مما لم يحرّم بقوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر « فصّل » على البناء للمفعول ، ونافع ويعقوب وحفص « حرّم » على البناء للفاعل .
إِلَّا مَا
شرح
تعالى :فَكُلُوا مِمَّاجواب شرط مقدر أي إن انتهيتم عن اتباع المضلين وكنتم بآيات اللّه مؤمنين فكلوا مما ذكر عليه اسم اللّه ولا تأكلوا الميتة فإنها لم تذبح على اسم اللّه . فإنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون اللّه فما قتله اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم فيحلون ما حرم اللّه كما أنهم يحرمون البحائر والسوائب وقد أحلها اللّه تعالى .
قال الإمام : فإن قيل : إن المشركين كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم اللّه ولا ينازعون فيه وإنما النزاع في أنهم كانوا يبيحون أكل الميتة والمسلمون كانوا يحرمونها ، وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم اللّه عليه عبثا لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه . فأجاب عنه بقوله : لعل القوم كانوا يحرمون المذكاة ويبيحون أكل الميتة فاللّه تعالى رد عليهم في الأمرين فحكم بحل المذكاة بقوله :فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِوبتحريم الميتة بقوله : « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه » ثم قال : ويجوز أن يحمل قوله :فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِعلى أن المراد جعلوا أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم اللّه عليه فيكون المعنى على هذا الوجه تحريم أكل الميتة فقط . انتهى كلامه .
فيكون قوله تعالى :وَما لَكُمْأن لاتَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِبمعنى أن لا تجعلوا أكلكم مقصورا عليه . والمصنف اختار هذا الجواب حيث قال : والمعنى كلوا مما ذكر اسم اللّه على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه لأن الجواب الأول بعيد جدا .
قوله : ( وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر فصّل ) أي قرأ و « افصل » و « حرم » على البناء للمفعول فيهما بناء على أن قوله تعالى :حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُتفصيل لما أجمل في هذه الآية . فلما وجب في التفصيل أن يقال « حرمت » على بناء المفعول وجب ذلك أيضا في المجمل وهو قوله :فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْوهو مالك الأعيان ومبين الحلال والحرام .
وقرأ نافع وحفص عن عاصم « فصل لكم ما حرم عليكم » على بناء الفاعل فيهما أي فصل اللّه ما حرم عليكم بإسناد كل واحد من الفعلين إلى ضمير الجلالة المذكورة في قوله :مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِوقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم « فصل » على بناء الفاعل و « حرم »