المراد مؤمنو أهل الكتاب . وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم « منزل » بالتشديد .
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 114 ) في أنهم يعلمون ذلك أو في أنه منزل بجحود أكثرهم وكفرهم به فيكون من باب التهييج كقوله :
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ آل عمران : 67 ] وآيات أخرى . أو خطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لخطاب الأمة . وقيل : الخطاب لكل أحد على معنى أن الأدلة لما تعاضدت على صحته فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه .
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده .
صِدْقاً
في الأخبار والمواعيد
وَعَدْلًا
في الأقضية والأحكام ، ونصبهما يحتمل التمييز والحال والمفعول له
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
لا أحد يبدّل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل أو لا
شرح
كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ[ الرعد : 43 ] . قوله : ( أو في أنه منزل ) أي من ربك بسبب جحود قومك أي لا يكون جحود قومك وكفرهم به سببا لا مترائك في كونه كتابا سماويا لما كان ظاهر الكلام النهي عن الامتراء في حقية القرآن ، وهذا لا يتصور من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا فائدة في النهي عنه . أجاب عنه بوجوه ؛ الأول أن تعلق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقية القرآن ، والثاني أنه من باب التهييج ، والثالث أنه عليه الصلاة والسّلام خوطب بذلك لكونه إمام أمته . والمراد نهي أمته ، والرابع أن الخطاب ليس للنبي بل لعموم الناس . والمعنى لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد . قوله : ( بلغت الغاية أخباره واحكامه ومواعيده ) إشارة إلى أن « كلمات اللّه » تتناول جميع ما تكلم به من أخباره وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده بالثواب والعقاب وأن تمامها عبارة عن بلوغها في كونها كافية في بيان ما يحتاج إليه المكلفون إلى يوم القيامة علما وعملا ، وفي كونها صدقا وعدلا . فإن جميع ما ورد في القرآن العظيم منحصر في نوعين : الخبر والتكليف ، أما الخبر فالمراد به كل ما أخبر اللّه تعالى عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وصفاته الثبوتية والسلبية ، وكالخبر عن أحكام اللّه تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، وكالخبر عن أحوال المتقدمين وعن الغيوب المستقلة ، فإن جميع ذلك داخل تحت الخبر . وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي صدر عنه تعالى وتعلق بالمكلفين من الجن والإنس والملك . وإذا تقرر انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فاعلم أن كلماته تعالى إن كانت من باب الخبر فقد بلغت في الصدق إلى ما لا يتوهم ما هو أصدق منها وإن كانت من باب التكليف فقد بلغت في العدالة إلى ما لا يتوهم ما هو أعدل منها . وإن أريد بالكلمات نفس القرآن لا من حيث اشتماله على ما فيه من الأخبار والتكاليف يكون المعنى تم القرآن وبلغ الغاية في كونه معجزا دالا على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث لم يبق مع نزوله إلى معجز آخر صدقا في أخباره وعدلا في أحكامه . وذكر في انتصاب « صدقا وعدلا » ثلاثة أوجه : التمييز ، وكونهما مصدرين واقعين