قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
البصائر جمع البصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن سميت بها الدلالة لأنها تجلّى لها الحقّ وتبصّرها به .
فَمَنْ أَبْصَرَ
أي أبصر الحق وآمن به .
فَلِنَفْسِهِ
أبصر لأن نفعه لها .
وَمَنْ عَمِيَ
عن الحق وضل .
فَعَلَيْها
شرح
الذي يجل عن إدراك البصائر فضلا ويعز عن شعور الإسرار فضلا عن الأفكار ، ويتعالى عن مشابهة الصور والأمثال وينزه عن حلول الألوان والأشكال . فإن كمال اللطافة إنما يكون لمن هذا شأنه ووصف الغير بها لا يكون على الإطلاق بل بالقياس إلى ما هو دونه في اللطافة وبوصف بالنسبة إليه بالكثافة . انتهى . وهذا يقتضي أنه حقيقة فيه تعالى فتأمله . والخبير للمبالغة فيه فيكون علة والمقام وإن اقتضى ترك العطف لكن المقصود به إثبات هذه الأوصاف . والتعليل الذي أشار إليه المصنف رحمه اللّه ضمني وقوله : « لما لا يدرك بالحاسة » أي ليس شأنه ذلك فلا يقال إذا كان اللطيف بمعنى ما لا تدركه الأبصار كيف يعلل الشيء بنفسه ؟ فلا يرد هذا كما توهم . وقوله : « كما لا ينطبع فيها » أي لا ينطبع ويرتسم مثاله فيها وإلا فالشيء نفسه لا ينطبع ففيه تسمح . وهذا أحد المذاهب في كيفية الرؤية وتحقيقه في كتب الحكمة والكلام . وقوله : « وهي للنفس » الخ المعروف أنها للقلب كالبصر للعين وقوله :
« تجلى » بمعنى تظهر وتكشف وقوله : « الدلالة » فجمعه باعتبار أنواعه . وقيل : المراد آيات القرآن .
قوله : ( فلنفسه أبصر ) قدره غيره فلنفسه الإبصار وقدره أبو حيان فيهما بقوله : فالإبصار لنفسه أي نفعه وثمرته ومن عمى فعليها أي فالعمي عليها أي فجدوى العمى عائد على نفسه والإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال . قال : وهذا الذي قدرناه من المصدر وهو الإبصار والعمى كنايتان عن الهدى والضلال . قال : وهذا الذي قدرناه من المصدر وهو الإبصار والعمى أولى لوجهين : أحدهما أن المحذوف يكون مفردا لا جملة ويكون الجار والمجرور عمدة لا فضلة . وفي تقدير غيره المحذوف جملة والجار والمجرور فضلة ، ولأنه لو كان المقدر فعلا لم تدخله الفاء سواء كانت شرطية أو موصولة مشبهة بالشرط لأن الفعل الماضي إذ لم يكن دعاء ولا جامدا ووقع جواب شرط أو خبر مبتدأ مشبه باسم الشرط لم تدخل الفاء في جواب الشرط ولا في خبر المبتدأ . فلو قلت : من جاءني فأكرمته لم يجز بخلاف تقديرنا وهو غير وارد لأنه ليس كالمثال الذي ذكره بل مثاله : من جاءني فالأكرامه ، جاء إذ تقدم فيه الجار والمجرور لإفادة الحصر . والجار والمجرور إذا تقدم على الماضي جاز اقترانه بالفاء ، بل قيل : إنها لازمة له ، كما صرح به النحرير والمعرب السفاقسي . ففي هذه المسألة ثلاثة مذاهب : المنع وهو مختار أبي حيان ، والجواز واللزوم وهو مختار غيره ، وفي الدر المصون : أن هذا التقدير سبق الزمخشري إليه غيره من السلف كالكلبي . وقوله :
« فعليها وباله » لم يقدر فعليها عمى كما قدره الزمخشري لأن عمى لم يعهد تعديه ب « على »