الاستيداع .
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
( 98 ) ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر .
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
من السحاب أو من جانب السماء
شرح
ابن عباس رضي اللّه عنهما هل تزوجت ؟ قلت : لا . قال : اما إنه ما كان مستودعا في ظهرك فسيخرجه اللّه تعالى . وقيل : المستقر فوق الأرض لقوله تعالى :وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ[ البقرة : 36 ] والمستودع القبر لأن أهله إنما تودع فيه لأن تخرج منه تارة أخرى . قوله تعالى :( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ )أي بيناها على وجه انفصل بعضها عن بعض .
قوله : ( ذكر مع ذكر النجوم يعلمون ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون ) يعني أن الفقه عبارة عن الوقوف على المعنى الخفي . وأصل تركيب الفقه يدل على الشق والفتح ، والفقيه العالم الذي يشق الأحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق منها . روي أن سلمان نزل على نبطية بالعراق فقال : ههنا مكان نظيف أصلي فيه . فقالت : طهر قلبك وصل حيث شئت . فقال : فقهت وفطنت للحق . أي نظرت نظرا دقيقا . فظهر أن الفقه إنما يطلق حيث يكون فيه حذاقة وتدقيق نظر ، وسمى علم الشريعة فقها لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة والأقيسة والأنظار الدقيقة فيها . وقوله تعالى :وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ[ الأنعام : 97 ] إشارة إلى آيات الآفاق وقوله :وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ[ الأنعام : 98 ] إشارة إلى آيات الأنفس ولا شك أن آيات الآفاق أظهر وأجلى وآيات الأنفس أدق وأخفى .
فكان ذكر الفقه لها أنسب وأولى كما أن أنفس بني آدم أدق صنعا وأجمع لآثار القدرة ودلائلها فكذا الاستدلال بها على وجود الصانع وكمال قدرته أدق وأخفى . قوله : ( من السحاب ) سمي السحاب سماء لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء . فتقول : لسقف البيت : سماء البيت . وقال أبو علي الجبائي في تفسيره : إن اللّه تعالى يخلق المطر في السماء ثم ينزله من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض . قال : لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء والعدول عن الظاهر إلى التأويل إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء فوجب إجراء اللفظ على ظاهره . وهذه الآية إشارة إلى دليل خامس على كمال قدرة اللّه تعالى وعلمه وحكمته ووجوه إحسانه إلى خلقه . واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضا نعم بالغة وإحسانات كاملة والكلام إذا كان دليلا من بعض الوجوه وكان إنعاما وإحسانا من سائر الوجوه كان تأثيره في القلب عظيما . وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى الحق لا ينبغي له أن يعدل عن هذه الطريقة .